خاصة (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وهو وحده الضار النافع ، يسمع منكم هذا القول ويعلم هذا المعقد السيىء ، وإنما قرن بالسميع العليم ، دون البصير لإرادة التهديد لمن عبد غيره ، لأن العبادة قول أو فعل ، ومن الفعل ما محله القلب وهو الاعتقاد ، ولا يدرك بالبصر بل بالعلم ، والآية ـ كما ترى ـ من الاحتباك : دل بما أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه في الجملة الأولى عن غيره ، وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته له ـ والله الموفق.
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨))
ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى ، ولم يبق لأحد علة ، أمره صلىاللهعليهوسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليهالسلام : اليهود بإنزاله عن رتبته ، والنصارى برفعه عنها بقوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي عامة (لا تَغْلُوا) أي تجاوزوا الحد علوا ولا نزولا (فِي دِينِكُمْ.)
ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص ، نفى ذلك بقوله : (غَيْرَ الْحَقِ) وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها ، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها ، ولو نكر لكان من جاوز حقا إلى غيره واقعا في النهي ، كمن جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع ، ولو قيل : باطلا ، لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل ، لا أصله ومطلقه.
ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم ، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال : (وَلا تَتَّبِعُوا) أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك (أَهْواءَ قَوْمٍ) أي هووا مع ما لهم من القوة ، فكانوا أسفل سافلين ، والهوى لا يستعمل إلا في الشر (قَدْ ضَلُّوا) ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي ، أدخل الجار فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في محالهم (وَأَضَلُّوا) أي لم يكفهم ضلالهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم (كَثِيراً) أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقا (وَضَلُّوا) أي بعد بعث النبي صلىاللهعليهوسلم بمنابذة الشرع (عَنْ سَواءِ) أي عدل (السَّبِيلِ) أي الذي لا سبيل في الحقيقة
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
