كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم ، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم ، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلىاللهعليهوسلم ولم يجز رسوله بشيء ، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم ، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية ، كما هو واضح في السير ، مبين جدا في شرحي لنظمي للسيرة ، وكان السر في ذلك ـ مع ما تقدم من باعث الزهد ـ أنه لما كان عيسى عليهالسلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن النبي صلىاللهعليهوسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلىاللهعليهوسلم ، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة ، الأنبياء أولاد علات ـ وفي رواية : أبناء ، وفي رواية : إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وليس بيني وبينه ، وفي رواية : وليس بيني وبين عيسى ـ نبي. وفي رواية لمسلم : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة ، قالوا : كيف يا رسول الله! قال : الأنبياء إخوة من علات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، فليس بيننا نبي (١).
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧))
ولما ذكر سبحانه تعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيبا ، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيبا فقال : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل (وَكَذَّبُوا) أي عنادا (بِآياتِنا) أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا (أُولئِكَ) أي البعداء من الرحمة (أَصْحابُ الْجَحِيمِ) أي الذين لا ينفكون عنها ، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم.
ولما مدح سبحانه الرهبان ، وكان ذلك داعيا إلى الترهب ، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض ، شريفة في المبدأ دنية في المآل ، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات ، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص ، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه ، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه ، فيقع في الخيانة كما قال تعالى : (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) [الحديد : ٢٧] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٤٤٢ ، ٣٤٤٣ ومسلم ٢٣٦٥ وأبو داود ٤٣٢٤ والطبري ٧١٤٥ ، ١٠٨٣٠ وابن حبان ٦١٩٥ و ٦٨١٤ ، ٦٨٢١ والحاكم ٢ / ٥٩٥ وأحمد ٢ / ٤٠٦ ، ٤٣٧ و ٤٦٣ ، ٤٥١ كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة ، وكلا اللفظين عند مسلم.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
