بِهِ) أي في الإنجيل مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف نبيه صلىاللهعليهوسلم وغير ذلك من الحق.
ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقا ، فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم ، سبب عنه قوله : (فَأَغْرَيْنا) أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو بالغراء لا ينفك بل يصير كجزء الشيء (بَيْنَهُمُ) أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقا متباينين بتفريق الدين ، وكذا بينهم وبين اليهود (الْعَداوَةَ) ولما كانت العداوة قد تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت ، قال معلما أنها لأمر باطني نشأ من تزيين الهوى ، فهو ثابت غير منفك : (وَالْبَغْضاءَ) بالأهواء المختلفة (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.)
ولما أخبر بنكدهم في الدنيا ، أعقبه ما لهم في الأخرى فقال : (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ) أي يخبرهم (اللهُ) أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما إخبارا بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد لا خلف فيه ؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها حتى ضربوا بها وتدربوا عليها ، حتى صارت لهم أحوالا لأنفسهم وأخلاقا لقلوبهم ، سماها صنائع فقال : (بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) أي دربوا أنفسهم عليه حتى صار كالصنعة ، فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة.
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦))
ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين ، أقبل عليهم واعظا مناديا متلطفا مستعطفا مرغبا مرهبا فقال : (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي عامة (قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) أي الذي أرسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ناواه (يُبَيِّنُ لَكُمْ) أي يوضح إيضاحا شافيا (كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ) أي بما لكم من جبلة الشر والكذب والخيانة (تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ) أي العظيم المنزل عليكم ، من صفة محمد صلىاللهعليهوسلم وحكم الزنا وغيرهما ، لإحياء سنة وإماتة بدعة ـ كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة ، وذلك دال بلا شبهة على صحة رسالته (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالا لأمرنا له بذلك ـ كما تقدم أنه إحسان منه صلىاللهعليهوسلم إليكم ، لأنه لا فائدة في إظهاره إلا فضيحتكم.
ولما أخبر عن فصله للخفايا ، وكان التفصيل لا يكون إلا بالنور ، اقتضى الحال
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
