ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦))
ولما تم ذلك كان كأنه قيل : قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون فيه (فَإِنْ حَاجُّوكَ) بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحا أو تلويحا عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال (فَقُلْ) أي فأعرض عنهم إلى أن آمرك بالقتال ، لأن من الواجبات ـ كما تقرر في آداب البحث ـ الإعراض عمن كابر في المحسوس ، وقل أنت عملا بالآية السالفة : (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ) أي أخلصت قصدي وتوجهي ، وانقدت غاية الانقياد (لِلَّهِ) الملك الأعظم الذي له الأمر كله ، فلا كفوء له.
قال الحرالي : ولما أدرج تعالى شهادة الملائكة وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صلىاللهعليهوسلم أن يدرج من اتبعه في إسلامه وجهه لله ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صلىاللهعليهوسلم لا بإسلام أنفسهم ، لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة ، وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صلىاللهعليهوسلم «وما أنا عليه» (١) فيما أوتي من اليقين «وأصحابي» فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من الرجوع إلى أنفسهم في أمر ، كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر : الله ورسوله أعلم ، فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده ـ انتهى. فقال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل : (وَمَنِ) أي وأسلم من (اتَّبَعَنِ) وجوههم له سبحانه وتعالى.
ولما كان المكمل لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله : (وَقُلْ) تهديدا وتعجيزا وتبكيتا وتقريعا (لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي عامة من هؤلاء النصارى الذين يجادلونك ومن اليهود أيضا (وَالْأُمِّيِّينَ) الذين لا كتاب لهم ، مشيرا بالاستفهام إلى عنادهم منكرا عليهم موبخا لهم : (أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا) عند ذلك (فَقَدِ
__________________
(١) صحيح. أخرجه أبو داود ٤٥٩٦ والترمذي ٢٦٤٠ وحسنه وابن ماجه ٣٩٩١ وأبو يعلى ٥٩٧٨ و ٦١١٧ وأحمد ٢ / ٣٣٢ وابن حبان ٦٢٤٧ و ٦٧٣١ والحاكم ١ / ١٢٨ وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي كلهم من حديث أبي هريرة «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وأخرجه ابن ماجه ٣٩٩٢ بإسناد حسن من حديث عوف بن مالك بأتم منه. ومن حديث أنس ٣٩٩٣ بزيادة «كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة». وصححه البوصيري في الزوائد. وأخرجه أبو داود ٤٥٩٧ والحاكم ١ / ١٢٨ من حديث معاوية.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
