قال الحرالي : الذين لهم لب العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره ، فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر مقابلة بعيدة ، فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان ، وراسخ في العلم يقف عند حد إيمان ، ومتأول يركن إلى لبس بدعة ، وفاتن يتبع هوى ؛ فأنبأ جملة هذا البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ بيان سورة البقرة عن جهات تلقيهم للأحكام ـ انتهى.
(رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢))
ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله المستلزم لأنه لا عوج فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله ـ حاكيا عنهم وهو في الحقيقة تلقين منه لهم لطفا بهم مقدما ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد المقتضي عين الحكمة : (رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا (لا تُزِغْ قُلُوبَنا) أي عن الحق.
ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده فسادها وكان ثبات الإنسان على سنن الاستقامة من غير عوج أصلا مما لم يجر به سبحانه وتعالى عادته لغير المعصومين قال ـ نازعا الجار مسندا الفعل إلى ضمير الجملة : (بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) إليه. وقال الحرالي : ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن ـ انتهى. فلذلك قالوا : (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ) أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية ، الباطن عن غير خواصك (رَحْمَةً) أي فضلا ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا ، ونكرها تعظيما بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب.
ولما لم يكن لغيره شيء أصلا فكان كل عطاء من فضله قالوا ـ وقال الحرالي : ولما كان الأمر اللدني ليس مما في فطر الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم ، وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب العناية ختم بقوله : (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة ، وهي العطية سماحا من غير قصد من الموهوب ـ انتهى.
ولما كان من المعلوم من أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول البقرة
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
