بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسدا وعنادا (١) ، وذلك هو المراد من قوله : (وَجَعَلْنا) أي والحال أنا قد جعلنا (عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي أغطية ، جمع كنان أي غطاء (أَنْ) أي كراهة أن (يَفْقَهُوهُ) أي القرآن (وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) أي ثقلا يمنع من سمعه حق السمع ، لأنه يمنع من وعيه الذي هو غاية السماع ، فهم لا يؤمنون بما يسمع منك لذلك.
ولما ذكر ما يتعلق بالسمع ، ذكر ما يظهر للعين ، معبرا بما يعم السمع وغيره من أسباب العلم فقال : (وَإِنْ يَرَوْا) أي بالبصر أو البصيرة (كُلَّ آيَةٍ) أي من آياتنا سواه (لا يُؤْمِنُوا بِها) لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد الآباء والأجداد (حَتَّى) كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم فقههم (إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ) أي بالفعل أو بالقوة ، والغاية داخلة ، وكأنه قيل تعجبا : ما ذا يقولون في جدالهم؟ فقال مظهرا للوصف الذي أداهم إلى ذلك : (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع (أَنْ) أي ما (هذا) أي الذي وصل إلينا (إِلَّا أَساطِيرُ) جمع سطور وأسطر جمع سطر وهي أيضا جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور ، وبالهاء في الكل (الْأَوَّلِينَ) وقد قال ذلك النضر بن الحارث ، فصدق قوله إخبار هذه الآية (وَهُمْ) حال من فاعل (يَسْتَمِعُ) أي يستمعون إليك والحال أنهم (يَنْهَوْنَ عَنْهُ) أي عن الاستماع أو عن اتباع القرآن (وَيَنْأَوْنَ) أي يبعدون (عَنْهُ) أي كما وقع لأبي جهل وصاحبيه في المعاهدة على ترك المعاودة للسماع وما يتبعه (وَإِنْ) أي وما (يُهْلِكُونَ) أي بعبادتهم ومكابدتهم (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي وما هم بضاريك ولا بضاري أحد من أتباعك فيما يقدح في المقصود من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك وإذلال المفسدين (وَما يَشْعُرُونَ) أي وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال ، بل هم كالبهائم ، بل هي أصلح حالا منهم.
(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠))
ولما جعل عدم إيمانهم في هذه بشيء من الآيات موصلا لهم إلى غاية من الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم في هذه الدار ، وهي مجادلتهم له صلىاللهعليهوسلم ، وختم الآية بما رأيت من عظيم التهديذ استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ردهم إلى الله تعالى والكشف
__________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ١ / ٣١٠ ـ ٣١١.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
