بالكتب والصحف منهم ثلاثة : إبراهيم وعيسى وداود ، وقد وقع كل منهم سادسا لصاحبه ، وهو العد الذي كان فيه الخلق ، فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة ، فكما أنه لم يعجل في إنشاء الخلق ، فكذلك لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة ، بل أنزلها منجمة تبعا لمصالحهم وتثبيتا لدعائمهم ، ومن لطائفه أنه تعالى بدأ المذكورين ، وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلا منهما أهلك من عانده كنفس واحدة بالإغراء ، ترهيبا لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام بالباطل المدعين أنهم أتباع ، ووسّط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين والمرسلين ، ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل ، ولأن رتبة النبوة قبل رتبة الرسالة ، بمعنى أنها أعم منها.
ولما سرد أسماء من دخل في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من المرتبين على حسب ترتيب الوجود ، إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه وإخوانهم وذرياتهم ـ والله أعلم.
(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (١٦٦))
ولما كان معظم رسالة نبينا صلىاللهعليهوسلم بشارة ونذارة ، قال مبينا أنهم مثله في ذلك كما كانوا قبله في الوحي ، لأن المقصود من الإرسال لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة والنذارة : (رُسُلاً) أي جعلناهم رسلا ، ويجوز أن يكون بدلا من «رسلا» الماضي ، وأن يكون حالا ، حال كونهم (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ثم علل ذلك بقوله : (لِئَلَّا يَكُونَ) أي لينتفي أن يوجد (لِلنَّاسِ) أي نوع من فيه قوة النوس.
ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردودا ، عبّر بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَى اللهِ حُجَّةٌ) أي واجبة القبول على الملك الذي اختص بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم ؛ ولما كان المراد استغراق النفي لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال : (بَعْدَ) أي انتفى ذلك انتفاء مستغرقا لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال (الرُّسُلِ) وتبليغهم للناس ، وذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع ، وأما نفس المعرفة والنظر والتوحيد فطريقها العقل ، فالمعرفة متلقاة من العقل ، والوجوب متلقى من الشرع والنقل.
ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك سبحانه أخذ بحجة أو
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
