ولما كان الفائز بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى : (وَاتَّقُوا النَّارَ) أي إن لم تكونوا ممن يتقيه سبحانه لذاته (الَّتِي أُعِدَّتْ) أي هيئت (لِلْكافِرِينَ) أي بالله باستحلال الربا وغيره بالذات ، وللكافرين بالنعمة عصيانا بالعرض. ولما كان الفائز السالم قد لا يكون مقربا قال اتباعا للوعيد بالوعد : (وَأَطِيعُوا اللهَ) ذا الجلال والإكرام (وَالرَّسُولَ) أي الكامل في الرسلية كمالا ليس لأحد مثله ، أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحوم بالتقريب والمحبة وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره.
ولما نهى عما منع النصر بالنهي عن الربا ، المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا ، المشار إلى ذمها في قوله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ) [آل عمران : ١٤] ، وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقرب ، وكان ذلك قد يكون مع التواني أمر بالمسارعة فيه توصلا إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله : (بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ) [آل عمران : ١٢٥] ، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران : ١٢٠] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث من دعائم هذه السورة (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) [آل عمران : ١٥] ، على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة من الرب اللطيف بعباده ، وإلى ما يبيح الجنة الموصوفة بالاجتهاد في الجهاد على ما يجد رسول الله صلىاللهعليهوسلم من التقوى ، فإن هذه الجنة أعدت للمتقين الذين تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران : ١٣٠] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ، ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في سبيل الله في مرضاة رسول الله صلىاللهعليهوسلم من الجهاد وغيره في السراء والضراء ، لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالا يخلّ ببعض الأوامر ، وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل أو جراحة ، والعفو عمن يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشادا إلى أن لا يكون جهادهم إلا غضبا لله تعالى ، لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلا ، وبالصبر أيضا على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره كما فعل صلىاللهعليهوسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد المطلب ، فإنه وقف صلىاللهعليهوسلم في ذلك اليوم
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
