يذكر ، وداود من سبط لاوي بن إسرائيل عليهم الصلاة والسّلام فيما ينسب ، فلذلك ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ جرى هذا الاصطفاء على آله ، فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان من اصطفاء موسى عليهالسلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق (يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ) [الأعراف : ١٤٤] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسّلام ، وآل عمران ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ مريم وعيسى عليهما الصلاة والسّلام ليقع الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة والسّلام ليحوزا طرفي الكون روحا وسلالة ، والعالمون علم الله الذي له الملك ، فكما أن الملك لا بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علما على ظهور ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاما ، وفي يوم الدنيا لمن شاء من أهل اليقين والعيان خاصا ، وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف الزائدة على لفظ العلم ، فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسّلام على الموجودين في وقته ، وكذلك نوحا وآل إبراهيم وآل عمران كلّا على عالم زمانه ، ومن هو بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني لم يلحقه بعد عند أهل النظر اسم العالم ، وأشار سبحانه وتعالى بذكر الذرية من معنى الذرء الذي هو مخصوص بالخلق ليظهر انتظام عيسى عليه الصلاة والسّلام في سلك الجميع ذرءا ، وأنه لا يكون مع الذرء لبس الإلهية ، لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فكان نصب لفظ الذرية تكييفا لهذا الاصطفاء المستخلص على وجه الذر ، وهو الذي يسميه النحاة حالا ـ انتهى.
ولما ذكر سبحانه وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم ، وكان مدار أمر الاصطفاء على العلم ، ومدار ما يقال لهم وفيهم مما يكون كفرا أو إيمانا على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله عاطفا على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد : (وَاللهُ) أي المحيط قدرة وعلما (سَمِيعٌ عَلِيمٌ) إشارة إلى أنه اصطفاهم على تمام العلم بهم ترغيبا في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم.
ولما كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة ، وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسّلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم ، وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسّلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته ، وكان معظم المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسّلام كونه في عمود النسب ، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاويا لمن قبل : (إِذْ) أي اذكر جوابا لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين (قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ) وهي حامل.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
