ولا بقول الكفار : إنكم سفهتم آباءكم ، ولا بغير ذلك من وجوه الضرر ، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة التحقيق فقال مفهما لوجود الضرر عند فقد الهداية : (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) أي بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم فتخالفوا من ضل ، فإن كان موجودا فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الطاقة ، فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول الأعظم ، وإن كان مفقودا فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء وأولى الأحباء ، وإلا كان الباقي أسفه من الماضي ، وقد كان لعمري أحدهم لا يتبع أباه إذا كان سفيها في أمر دنياه عاجزا عن تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه ، فكيف لا يخالفه فيما به سعادته الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له الحق فيتبعه ، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه ، ما ذاك إلا لمجرد الهوى ، وقد كان الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صلىاللهعليهوسلم بقوله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» (١) وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا ـ وقال ابن ماجه : ولا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ـ فإن «لو» تفتح عمل الشيطان ، وفي بعض طرق الحديث : ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل» (٢) يعني :
__________________
(١) يشبه الحسن ، أخرجه الترمذي ٢٥٧٧ وابن ماجه ٤٢٦٠ والطبراني في الكبير ٧١٤١ ، ٧١٤٣ وفي مسند الشاميين ٤٦٣ ، ١٤٨٥ وفي الصغير ٢ / ٣٦ والبيهقي في الشعب ١٠٥٤٦ والقضاعي في مسند الشهاب ١٨٥ والطيالسي ١١٢٢ والحاكم في المستدرك ١ / ٥٧ و ٤ / ٣٢٥ وأحمد ٤ / ١٢٤ كلهم من حديث شداد بن أوس. حسنه الترمذي وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله : لا والله أبو بكر واه ا ه. وأخرج البيهقي في الشعب ١٠٥٤٥ من حديث أنس بلفظ : «الكيس من عمل لما بعد الموت ، والعاري العاري من الدين ، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة» وفيه عون بن عمارة. ـ قال البيهقي : عون ضعيف ، وممن ضعفه أيضا أبو حاتم وغيره. قلت : أبو بكر هو ابن أبي مريم ضعفه غير واحد وقال الجوزجاني هو متماسك. والحديث ليس بمستنكر وقد حسنه الترمذي وصححه الحاكم.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٦٤ والنسائي في الكبرى ١٠٤٥٧ و ١٠٤٥٨ ، ١٠٤٥٩ ، ١٠٤٦٠ وفي عمل اليوم والليلة ٦٢٣ ، ٦٢٤ وابن ماجه ٧٩ ، ٤١٦٨ وابن حبان ٥٧٢١ ، ٥٧٢٢ وابن أبي عاصم في السنة ٣٥٦ والبيهقي ١٠ / ٨٩ وفي الأسماء والصفات ١ / ٢٦٣ وأبو نعيم في الحلية ١٠ / ٢٩٦ وأحمد
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
