والله! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمرا يحتمل أن ينفعك ولا يضرك إلا أخذت به ، ولا تدع أمرا يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا تجتنبه ، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمرا تقول : لو أني فعلته أو تركته ، ولكنك تقول : قدر الله وما شاء فعل ، بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتما تقول : لو أني فعلت كذا وكذا ، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم ، فيكثر لك من «لو» لأنها مفتاح عمله ، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة ؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه «أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال له في أمر رآه : يا أبا عامر! ألا غيرت؟ فتلا هذه الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ، فغضب رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم» (١) وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى «أن أبابكر الصديق رضي الله عنه قال : يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها ، وإني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه. قال البغوي : وفي رواية : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب ، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم» (٢) والله الموفق.
ولما حكم الله تعالى ـ وهو الحكم العدل ـ أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم ، وكان الكفار يعيرونهم ، قال مؤكدا لما أخبر به ومقررا لمعناه : (إِلَى اللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا شريك له ، لا إلى غيره (مَرْجِعُكُمْ) أي أنتم ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق (جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ) أي يخبركم إخبارا عظيما
__________________
ــ ٢ / ٣٦٦ ، ٣٧٠ كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة. ولفظ مسلم : «المؤمن القوي خير ، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء ، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ، فإن لم تفتح عمل الشيطان».
(١) حسن. أخرجه أحمد ٤ / ١٢٩ ، ٢٠١ ، ٢٠٢ والطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم كما في الدر كلهم من حديث أبي عامر الأشعري ، وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات.
(٢) حسن. أخرجه أبو داود ٤٣٣٨ والترمذي ٢١٦٨ ، ٣٠٥٧ والنسائي في الكبرى ١١١٥٧ وابن ماجه ٤٠٠٥ وأبو يعلى ١٢٨ ، ١٢٩ ، ١٣٠ ، ١٣١ ، ١٣٢ وأحمد ١ / ٢ ، ٥ ، ٧ ، ٩ كلهم من حديث أبي بكر الصديق بألفاظ متقاربة. وقال الترمذي : وهذا حديث صحيح. قال ابن كثير في تفسيره ٢ / ١١٣ : وروي موقوفا لكن صوب الدارقطني وغيره الرفع.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
