وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي ، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم ، فقال تعالى دالا على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم ، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه (تَعالَوْا) أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل (إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ) أي الذي لا أعظم منه ، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه (وَإِلَى الرَّسُولِ) أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه (قالُوا حَسْبُنا) أي يكفينا (ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا).
ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم ، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء ، قال منكرا عليهم موبخا لهم : (أَوَلَوْ) أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو (كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً) أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه ، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء به ، وقد لا يشعر لكونه جهله مركبا فلا يجوز الاقتداء به ، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال : (وَلا يَهْتَدُونَ) أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب ، لأن من لا يعلم لا صواب له ، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم ، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار ، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر ، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر ، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً) إلى قوله : (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) [النساء : ١١٧ ، ١١٨] فالتفت حينئذ إلى قوله : (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) أيّ التفات.
ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم ، فيعود ضررا عليهم يسبّون به على زعمهم ، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلا ، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب بآبائنا ، وننسب إليهم ، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلىاللهعليهوسلم عن ذلك فقال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر ـ كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال : (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَ) أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
