فلحقه المسلمون فقال : السّلام عليكم ، فقتلوه وأخذوا غنيمته ، فأنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله (عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا»)(١) ورواه الحارث بن أبي أسامة عن سعيد بن جبير وزاد : (كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين ، (فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ) وأظهر الإسلام (فَتَبَيَّنُوا) ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله : (فَعِنْدَ اللهِ) أي الذي له الجلال والإكرام (مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) أي يغنيكم بها عما تطلبون من العرض مع طيبها ؛ ثم علل النهي من أصله بقوله : (كَذلِكَ) أي مثل هذا الذي قتلتموه بجعلكم إياه بعيدا عن الإسلام (كُنْتُمْ) وبعّض زمان القتل ـ كما هو الواقع ـ بقوله : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام (فَمَنَّ اللهُ) أي الذي له جميع صفات الكمال (عَلَيْكُمْ) أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ما أظهرتم امتثالا لأمره سبحانه وتعالى بذلك ، فقوى أمر الإيمان في قلوبكم قليلا قليلا حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به والعز ، ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم. فإذا كان الأمر كذلك فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم ، وهو معنى ما سبب عن الوعظ من قوله تأكيدا لما مضى إعلاما بفظاعة أمر القتل : (فَتَبَيَّنُوا) أي الأمور وتثبتوا فيها حتى تنجلي ؛ ثم علل هذا الأمر بقوله مرغبا مرهبا : (إِنَّ اللهَ) أي المختص بأنه عالم الغيب والشهادة (كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) أي يعلم ما أقدمتم عليه عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم.
ولما ناسبت هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد ، والتفتت إلى (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء : ٨٤] وإلى آية التحية ، فاشتد اعتناقها لهما ، وعلم بها أن في الضرب في سبيل الله هذا الخطر ، فكان ربما فتر عنه ؛ بين فضله لمن كأنه قال : فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم ، بقوله : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ) أي عن الجهاد حال كونهم (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الغريقين في الإيمان ، ليفيد التصريح بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد.
ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم ، فقال واصفا للقاعدين أو مستثنيا منهم : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) أي المانع أو العائق عن الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه ، وبهذا بان أن الكلام في المهاجرين ؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه «أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أملى عليه
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٩١ ومسلم ٣٠٢٥ والترمذي ٣٠٣٠ والنسائي في الكبرى ١١١١٦ كلهم من حديث ابن عباس.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
