والقدرة فقال : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً) ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوام العزم على ذلك لأجل الإيمان ، وهو لا يكون إلا كفرا ، وترك الكلام محتملا زيادة تنفير من قتل المسلم (مُتَعَمِّداً) أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره (فَجَزاؤُهُ) أي على ذلك (جَهَنَّمُ) أي تتلقاه بحالة كريهة جدا كما تجهم المقتول (خالِداً فِيها) أي ماكثا إلى ما لا آخر له (وَغَضِبَ اللهُ) أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك (عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) أي وأبعده من رحمته (وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) أي لا تبلغ معرفته عقولكم ، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [النساء : ٤٨ و ١١٦] لا آية الفرقان (١) فإنها مكية وهذه مدنية.
ولما تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد ، وما في قتل الخطأ من المؤاخذة الموجبة للتثبت ، وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد مؤكدا بأنواع التأكيد ، وكان ربما التبس الحال ؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت جوابا لمن كأنه قال : ما ذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام؟ فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مشيرا بأداة البعد والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى الأسنان إلى أن الراسخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب ، وما أحسن التفاته إلى قوله تعالى (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء : ٨٤] إشارة منه تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صلىاللهعليهوسلم وينقادون لأمره ، بما دلت عليه كلمة (إِذا) في قوله تعالى : (إِذا ضَرَبْتُمْ) أي سافرتم وسرتم في الأرض (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي الذي له الكمال كله ، لأجل وجهه خالصا (فَتَبَيَّنُوا) أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد عند منالها ، وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف ؛ ولا تقدموا إلا على ما بان لكم (وَلا تَقُولُوا) قولا فضلا عما هو أعلى منه (لِمَنْ أَلْقى) أي كائنا من كان (إِلَيْكُمُ السَّلامَ) أي بادر بأن حياكم بتحية الإسلام ملقيا قياده (لَسْتَ مُؤْمِناً) أي بل متعوذ ـ لتقتلوه.
ولما كان اتباع الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخا منفرا عن مثل هذا في موضع الحال من فاعل «تَقُولُوا» (تَبْتَغُونَ) أي حال كونكم تطلبون طلبا حثيثا بقتله (عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل ، أو بإدراك ثأر كان لكم قبله ؛ روى البخاري في التفسير ومسلم في آخر كتابه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما («وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ) قال : كان رجل في غنيمة له ،
__________________
(١) وهو وقوله تعالى : (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً* يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً* إِلَّا مَنْ تابَ ...) [الفرقان : ٦٨ ـ ٧٠].
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
