تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) أي من غير خيانة ما ، كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره ، والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك.
ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه ، أمر بما يحق له في معاملة غيره ، وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفا شيئين على شيئين : (وَإِذا حَكَمْتُمْ) وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله : (بَيْنَ النَّاسِ) وبين المأمور به بقوله : (أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو له ، فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل ، أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل» (١) الحديث.
ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله : (إِنَّ اللهَ) معبرا أيضا بالاسم الأعظم (نِعِمَّا) أي نعم شيئا عظيما (يَعِظُكُمْ بِهِ) وحثهم على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله : (إِنَّ اللهَ) مكررا لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم. ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال : (كانَ) أي ولم يزل ولا يزال (سَمِيعاً) أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا لأمره وغيره ذلك (بَصِيراً) أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال وغيره.
ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه ، ورهب من تركه ؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان ، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال : (أَطِيعُوا) أي بموافقة الأمر تصديقا لدعواكم الإيمان (اللهَ) أي فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى ، وعظم رتبة نبيه صلىاللهعليهوسلم بإعادة العامل فقال : (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فيما حده لكم في سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة متقتض لذلك ، ولهذا عبر به دون النبي (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) أي الحكام ، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية ـ كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل ـ من طاعة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وطاعته من طاعة الله عزوجل ؛ والعلماء من أولي الأمر أيضا ، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صلىاللهعليهوسلم.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٦٠ و ١٤٢٣ و ٦٤٧٩ ومسلم ١٠٣١ والترمذي بإثر حديث ٢٣٩١ والنسائي ٨ / ٢٢٢ ـ ٢٢٣ وابن خزيمة ٣٥٨ وابن حبان ٤٤٨٦ والبيهقي ٤ / ١٩٠ و ٨ / ١٦٢ والطيالسي ٢٤٦٢ وأحمد ٢ / ٤٣٩ كلهم من حديث أبي هريرة. ـ وورد في حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم ١٠٣١ والترمذي ٢٣٩١ والبغوي ٤٧٠ وابن حبان ٧٣٣٨ ومالك ٢ / ٩٥٢.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
