ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس ، فسبب عما تقديره : هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها ، قوله : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ) أي المحيط علما وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة ، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه (وَالرَّسُولِ) أي الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس ، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها ، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صلىاللهعليهوسلم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره ، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ) أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان (بِاللهِ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية ، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصا رسوله صلىاللهعليهوسلم : (ذلِكَ) أي الأمر العالي الرتبة (خَيْرٌ) أي وغيره شر (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي عاقبة أو ترجيعا وردا من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة ، فإن في الأحكام ما لا يستقل العقل بإدراكه إلا بمعونة الشرع ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : «نزلت هذه الآية (أَطِيعُوا اللهَ) في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلىاللهعليهوسلم في سرية» (١) يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣))
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٨٤ في التفسير عن ابن عباس. والقصة هي : «بعث النبي صلىاللهعليهوسلم سريّة فاستعمل عليها رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال : أليس أمركم النبي صلىاللهعليهوسلم أن تطيعوني؟
قالوا : بلى. قال : فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال : أوقدوا نارا فأوقدوها فقال : ادخلوها فهمّوا وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون فررنا إلى النبي صلىاللهعليهوسلم من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف».
أخرجها البخاري ٤٣٤٠ و ٧٢٥٧ ومسلم ١٨٤٠ وأبو داود ٢٦٢٥ النسائي ٧ / ١٠٩ وابن حبان ٤٥٦٧ وأحمد ١ / ٨٢ و ١٢٤ كلهم من حديث علي بن أبي طالب.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
