بذلك كل وقت ، ليكون الجزاء من جنس العمل ، فإنه لو لم يعد منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى ، ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع عذابهم.
ولما كان هذا أمرا لم يعهد مثله ، دل على قدرته عليه بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم (كانَ) ولم يزل (عَزِيزاً) أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء (حَكِيماً) أي يتقن صنعه ، فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم ، لأن عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا.
ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان (وَعَمِلُوا) بيانا لصدقهم فيه (الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ) أي بوعد لا خلف فيه ، وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف ـ كما في الكافرين ـ أنهم أقصر الأمم مدة ، أو أنهم أقصرهم أعمارا إراحة لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء ، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف (جَنَّاتٍ) أي بساتين ، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال : (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) أي إن أرضها في غاية الريّ ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر.
ولما ذكر قيامها وما به دوامها ، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال : (خالِدِينَ فِيها أَبَداً).
ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال : (لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ) والمطرد في وصف جمع القلة لمن يفضل الألف والتاء ، فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل : (مُطَهَّرَةٌ) أي متكرر طهرها ، لا توجد وقتا ما على غير ذلك. ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن إلا بتمكن الشمس منها ، وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر ، وربما آذى حرها ، أمّن من ذلك فيها بقوله : (وَنُدْخِلُهُمْ) أي فيها (ظِلًّا) أي عظيما ، وأكده بقوله (ظَلِيلاً) أي متصلا لا فرج فيه ، منبسطا لا ضيق معه دائما لا تصيبه الشمس يوما ما ، ولا حر فيه ولا برد ، بل هو في غاية الاعتدال.
ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في الإرث وغيره ، وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال ، وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب ، وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم ، وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث «سبعة يظلهم الله في ظله» فقال : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له صفات الكمال (يَأْمُرُكُمْ) أي أيتها الأمة (إِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
