اللهُ) أي الذي له العظمة كلها ، فلا ينقصه شيء (بِهِ) أي من المال وغيره (بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية ، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، والسخاء الذي هو وسط بين الإسراف والبخل ، وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة ، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة ، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان ، والرئاسة التامة ونفاذ القول ، وكونه محبوبا للناس حسن الذكر فيهم ؛ فهذه مجامع السعادات ، وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها ، وبعضها كسبية ، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده محض عطاء من الله ، فمن شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان : إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له ، والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها ، وهذا هو الحسد المذموم ، لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة ، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر ، واستجلب ظلمات البدعة ، ومحا نور الإيمان ، فإن الله فعال لما يريد ، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه ، وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا ؛ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ذلك مصلحة ، ولو كان غير ذلك فسد ، فإن ذلك كله قسمة من الله صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم. وأما تمني المثل فإن كان دينيا كان حسنا ، كما قال صلىاللهعليهوسلم «لا حسد إلا في اثنتين» (١) وإن كان دنيويا فمن الناس من جوز ذلك ، ومنهم من قال ـ وهم المحققون : لا يجوز ذلك ، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون ـ قال معنى ذلك الإمام الرازي.
__________________
(١) صحيح أخرجه البخاري ٧٥٢٩ و ٥٠٢٥ ومسلم ٨١٥ والترمذي ١٩٣٦ والنسائي في الكبرى ٨٠٧٢ وابن ماجه ٤٢٠٩ والطبراني ١٣١٦٢ و ١٣٣٥١ والبيهقي ٤ / ١٨٨ وابن حبان ١٢٥ والحميري ٦١٧ والبغوي ٣٥٣٧ وأحمد ٢ / ٣٦ و ٨٨ و ١٣٣ كلهم من حديث ابن عمر بألفاظ متقاربة.
ولفظه : «لا حسد إلا في اثنتين : رحل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار».
ـ وورد من حديث ابن مسعود بلفظ : «لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».
أخرجه البخاري ٧٣ و ١٤٠٩ و ٧١٤١ و ٧٣١٦ ومسلم ٨١٦ والنسائي في الكبرى ٥٨٤٠ وابن ماجه ٤٢٠٨ وابن المبارك في الزهد ١٢٠٥ وابن حبان ٩٠ والبيهقي ١٠ / ٨٨ والحميدي ٩٩ وأحمد ٣ / ٢٧٩.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
