(كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) أي من أكل المال والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار ـ قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح ـ عن عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ أنه سئل عن الكبائر فقال : ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني : وكل ذنب عظم الشرع الوعيد عليه بالعذاب وشدده ، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية : حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال ، فهو كبيرة ، وما عداه صغيرة (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) أي التي هي دون الكبائر كلها ، فإن ارتكبتم شيئا من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج ، أو فرطتم في شيء منها فمنّ الله عليكم بأن أتاكم بالمرض ؛ كفر ذلك المأتي به الصغائر ، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات ، لعدم إتيانه على تلك الكبيرة (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) أي يجمع الشرف والعمل والجود وكل معنى حسن ، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته ، ولم يدخله هذا المدخل ، ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما ؛ وقال الإمام أحمد : المسلمون كلهم في الجنة ـ لهذه الآية وقول النبي صلىاللهعليهوسلم «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (١) فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر ، فالنبي صلىاللهعليهوسلم يشفع في الكبائر ، فأي ذنب على المسلمين! ذكره عنه الأصبهاني ، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه.
ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح ، ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة ؛ نهى عن التمني الذي هو مقدمة الأكل ، ليكون نهيا عن الأكل بطريق الأولى ، فإن التمني قد يكون حسدا ، وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية : وهو حرام والرضى بالحرام ، والتمني على هذا الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل ، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال : (وَلا تَتَمَنَّوْا) أي تتابعوا أنفسكم في ذلك (ما فَضَّلَ
__________________
(١) جيد. أخرجه أبو داود ٤٧٣٩ والترمذي ٢٤٣٥ والطيالسي ٢٠٢٦ وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٧١ والطبراني في الصغير ٤٣٨ و ١١٠١ والحاكم ١ / ٦٩ وأبو نعيم ٧ / ٢٦١ وابن حبان ٦٤٦٨ والبزار ٣٤٦٩ وأحمد ٣ / ٢١٣ كلهم من حديث أنس وصدره عند بعضهم شفاعتي لأهل ...» صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه ا ه. ـ وورد من حديث جابر أخرجه الترمذي ٢٤٣٦ وابن ماجه ٤٣١٠ والحاكم ١ / ٦٩ وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٧١ وابن حبان ٦٤٦٧ وأبو نعيم ٣ / ٢٠٠ ـ ٢٠١ قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث جعفر بن محمد. ـ وورد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير ١١٤٥٤ وذكره الهيثمي في المجمع ١٠ / ٣٧٨ وقال : وفيه حرب ، وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف ، وبقية رجاله ثقات ا ه. ـ وورد من حديث ابن عمر أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ٨ / ١١ فالحديث بهذه الشواهد يرقى إلى درجة الحسن الصحيح.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
