بالأمس ، فأجابوا بالسمع والطاعة ، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم ، ولم يتخلف منهم أحد ، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلىاللهعليهوسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد ، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة. قال الواقدي : ودعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس ، فدفعه إلى علي رضي الله عنه ، ويقال : إلى أبي بكر رضي الله عنه ، وخرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح ، في وجهه أثر الحلقتين ، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر ، ورباعيته قد سقطت ، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة ، وركبتاه مجحوشتان ـ بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صلىاللهعليهوسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا ، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ ، ثم ركع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ركعتين ، فدعا بفرسه على باب المسجد ، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير ، فإذا رسول الله صلىاللهعليهوسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك! قال : قلت : قريب ، قال : فأخرج ، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صلىاللهعليهوسلم مني بجراحي ، ثم أقبل رسول الله صلىاللهعليهوسلم على طلحة فقال : «أين ترى القوم الآن؟ قال : هم بالسيالة ، قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا!» ومضى رسول الله صلىاللهعليهوسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد ، قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر ، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء ، وساق جزورا فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يأمرهم في النهار بجمع الحطب ، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران ، فيوقد كل رجل نارا ، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد ، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا (١) فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل ـ والله أعلم ـ ويؤيد ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح ـ قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية ، عامة بني عبد الأشهل جريح ، بل كلهم ـ رضي الله عنهم! فقال : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم ، قال : يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها : سمعا وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج
__________________
(١) هذا الخبر ذكره بطوله الواقدي في مغازيه ١ / ٣٣٦ ـ ٣٣٨ وكذا ابن جرير في تفسيره عند سورة آل عمران : ١٧٢. وذكر بعضه ابن هشام في سيرته ٣ / ٤٠ ـ ٤١.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
