فقال : (أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي على إخوانهم في آخرتهم (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي أصلا ، لأنه لا يفقد منه شيء ، بل هم كل لحظة في زيادة ، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين ، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك ، لأن السبب واحد ، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه ، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة.
ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيما له وإعلاما بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد منّ فقال : (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ) أي ذي الجلال والإكرام ، كبيرة (وَفَضْلٍ) أي منه عظيم (وَأَنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره (لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) أي منهم ومن غيرهم ، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم ، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل ، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء.
ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح ، ومدح أحوال الشهداء ترغيبا في الشهادة ، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيبا في النسج على منوالهم ، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان ، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلىاللهعليهوسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال : (الَّذِينَ اسْتَجابُوا) أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجادا مؤكدا محققا ثابتا بما عندهم من خالص الإيمان (لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) أي لا لغرض مغنم ولا غيره ، ثم عظم صدقهم بقوله ـ مثبتا الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان ـ : (مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ.)
ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملا على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال : (مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد ، أو غزوة بدر الموعد ، فإن الوعد كان يوم أحد ـ والله الهادي ، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعا للزمخشري : إن النبي صلىاللهعليهوسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكبا ، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد. فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله ، وإلا فليس كذلك ، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلىاللهعليهوسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع ، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فنادى مناديه يوم الأحد ـ الغد من يوم أحد ـ بطلب العدو ، وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضرا معه
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
