أسلموهم (وَقَعَدُوا) أي عنهم خذلانا لهم (لَوْ أَطاعُونا) أي في الرجوع (ما قُتِلُوا) ولما كان هذا موجبا للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله : (قُلْ) أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت (فَادْرَؤُا) أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا (عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ) أي حتى لا يصل إليكم أصلا (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملاءمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه.
ولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر ، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان ، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم ؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه ، كما أشار إليه قوله في البقرة (وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) [البقرة : ١٥٣] فقال تعالى عاطفا على قل محببا في الجهاد ، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا) أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي الملك الأعظم ، والله أعلم بمن يقتل في سبيله (أَمْواتاً) أي الآن (بَلْ) هم (أَحْياءٌ) وبين زيادة شرفهم معبرا عن تقربهم بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم في كل حال ، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله (يُرْزَقُونَ) أي رزقا يليق بحياتهم (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ) أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير (مِنْ فَضْلِهِ) لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمه لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه ، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى ، وبقيت لهم حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره ، فلا غفلة لهم ، فكان ذلك مذهبا لحزن من خلفوه ومرغبا لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم ، وهذا ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ معنى الشهادة ، أي أنهم ليست لهم حال غيبة ، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلا كذلك. ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال : (وَيَسْتَبْشِرُونَ) أي توجد لهم البشرى وجودا عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا (بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ) أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك بقوله : (مِنْ خَلْفِهِمْ) أي في الدنيا. ثم بين المبشر به
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
