للخوف من أن يغل رئيسهم وحاشاه! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه صلىاللهعليهوسلم بينهم على السواء ، وحاشاه من كل من ذلك! وأما المبادرة إلى النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث ، لا يصوب عاقل إليه ؛ إذا تقرر هذا فيمكن أن يكون التقدير : فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم ، فلا يقبلوا على ذلك إقبالا يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل ، وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان ، وما نهى صلىاللهعليهوسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن يفتحوا طريقا إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفا على (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍ) [آل عمران : ١٤٦] (وَما كانَ) أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات ولا على حالة من الحالات (لِنَبِيٍ) أي أي نبي كان فضلا عن سيد الأنبياء وإمام الرسل (أَنْ يَغُلَ) تبشيعا لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجرا من معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر ، وعلى قراءة الجماعة غير ابن كثير وأبي عمرو ـ بضم الياء وفتح العين مجهولا من : أغل ـ المعنى : وما كان له وما صح أن يوجد غالا ، أو ينسب إلى الغلول ، أو يظن به ما يؤدي إلى ذلك ؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه وتعالى وحده : فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما يدانيه فتخذلوا ، فإنه ما كان لكم أن تغلوا ، وما كان أي ما حل لنبي أي من الأنبياء قط أن يغل ، أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط إباحة الغلول ، فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب ، فإن ذلك يسلب كمال التوكل ، فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، فيوجب له الخذلان ، روى الطبراني في الكبير ـ قال الهيثمي : ورجاله ثقات ـ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : «بعث النبي صلىاللهعليهوسلم جيشا فردت رايته. ثم بعث فردت ، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب ، فنزلت (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)(١)».
ولما كان فعلهم ذلك محتملا لقصدهم الغلول ولخوفهم من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله : (وَمَنْ يَغْلُلْ) أي يقع منه ذلك كائنا من كان (يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف صحة قولي : إنه لمطلق الخيانة ، وإنه يجوز أن يكون التقدير : وما كان لأحد أن يفعل ما يؤدي ـ ولو على بعد ـ إلى نسبة نبي إلى غلول ، قال صاحب القاموس : أغل فلانا : نسبه إلى الغلول والخيانة ، وغل غلولا : خان ـ كأغل ، أو خاص بالفيء ، وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه
__________________
(١) حسن. أخرجه الطبراني في الكبير ١٢٨٤ من حديث ابن عباس وقال الهيثمي في المجمع ٦ / ٣٢٨ : ورجاله ثقات ا ه وهو كما قال.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
