الواعي : أغل الرجل إغلالا ـ إذا خان ، فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولا ، وقرىء : أن يغل ، وأن يغل ، فمن قرأ : يغل ـ أراد : يخون ، ومن قرأ : يغل ـ أراد : يخان ، ويجوز أن يريد : لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئا في خفاء فقد غل يغل غلولا ، ويسمى الخائن غالا ، وفي الحديث «لا إغلال ولا إسلال» (١) الإغلال : الخيانة في كل شيء ، وغللت الشيء أغله غلّا ـ إذا سترته ، قالوا : ومنه الغلول في المغنم ، إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئا ستره في متاعه ، فقيل للخائن : غال ومغل ، ويقال : غللت الشيء في الشيء ـ إذا أدخلته فيه ، وقد انغل ـ إذا دخل في الشيء ، وقد انغل في الشجر. دخل ـ انتهى. فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق الإشارة ، فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة ، كما أن آية الربا نهي عنه على طريق الإشارة ، فتم بها الوعظ الذي في أوائل القصة ، فقد اكتنف التنفير من الغلول ـ الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة له وفي الغزو مطلقا ـ طرفي الوعظ فيها ، ليكون من أوائل ما يقرع السمع وأواخره.
ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيها على أن ذلك اليوم يوم الدين ، فلا بد من الجزاء فيه وتصويرا له تبشيعا للفضيحة فيه بحضرة الخلق أجمعين ، وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي وتضعيف الفعل فقال معمما الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى : (ثُمَّ تُوَفَّى) أي في ذلك اليوم العظيم ، وبناه للمجهول إظهارا لعظمته على طريق كلام القادرين (كُلُّ نَفْسٍ) أي غالة وغير غالة (ما كَسَبَتْ) أي ما لها فيه فعل ما من خير أو شر وافيا مبالغا في تحريز وفائه (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي لا يقع عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص.
(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا
__________________
(١) قال السيوطي في الدر المنثور ٢ / ٩٢ : أخرج الطبراني عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لا إسلال ولا غلول ومن يغلّ ...» ا ه. وكثير بن عبد الله منهم من نسبه إلى الكذب كما في التهذيب ٨ / ٤٢١ لابن حجر لكن للحديث شواهد تدل على صحته.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
