من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف والتسنن وغير ذلك فقال سبحانه وتعالى : (فَاعْفُ عَنْهُمْ) أي ما فرطوا في هذه الكرة في حقك (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أي الله سبحانه وتعالى لما فرطوا في حقه (وَشاوِرْهُمْ) أي استخرج آراءهم (فِي الْأَمْرِ) أي الذي تريده من أمور الحرب تألفا لهم وتطييبا لنفوسهم ليستن بك من بعدك (فَإِذا عَزَمْتَ) أي بعد ذلك على أمر فمضيت فيه ، وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها ، أي فإذا فعلت أنت أمرا بعد المشاورة لأني فعلت فيه ـ بأن أردته ـ فعل العازم.
ولما أمر بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال : (فَتَوَكَّلْ) أي فيه (عَلَى اللهِ) أي الذي له الأمر كله ، ولا يردك عنه خوف عاقبة ـ كما فعلت بتوفيق الله في هذه الغزوة ، ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّ اللهَ) أي الذي لا كفوء له (يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم وإن رئي غير ذلك.
ولما كان التقدير ؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مناهم مما عزموا عليه لأجله ؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه ، بأن من نصره هو المنصور ، ومن خذله هو المخذول ، فقال تعالى : (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ) أي الذي له جميع العظمة (فَلا غالِبَ لَكُمْ) أي إن كان نبيكم صلىاللهعليهوسلم بينكم أو لا ، فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمدا قد قتل! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه حين قال : «موتوا على ما مات عليه نبيكم صلىاللهعليهوسلم! فهو أعذر لكم عند ربكم» (١)(وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ) أي بإمكان العدو منكم (فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) أي من نبي أو غيره ، ولما كان التقدير : فعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، عطف عليه قوله : (وَعَلَى اللهِ) أي الملك الأعظم وحده ، لا على نبي ولا على قوة بعدد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي كلهم فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم.
ولما كان الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها. والنزاهة عنه من أعظم موجبات النصر ، كان أنسب الأشياء تعقيب هذه الآية بآية الغلول بيانا ، لأنه كان سبب هزيمتهم في هذه الغزوة ، فإنه لا يخذل إلا بالذنوب ، ومن أعظم الذنوب الموجبة للخذلان الغلول ، فيكون المراد بتنزيهه صلىاللهعليهوسلم عنه ـ والله أعلم ـ أن إقبالهم على نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلوا بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه ، وإما أن يكون
__________________
(١) أخرجه ابن هشام في سيرته ٣ / ٢٣ من طريق ابن إسحاق به.
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
