وممّا ذكرنا ظهر فساد ما قيل ـ في مقام نفي الحاجة إلى هذه العلوم ـ بأنّ العربيّ القح بعد ما تتبّع الأحاديث واطّلع على عرف القرآن والحديث بتتبّعه مستغن عنها انتهى.
وذلك لأنّا نرى الفقهاء العالمين بالعلوم المذكورة ، الماهرين في الكتاب والحديث ، البالغين أقصى درجات التتبّع فيهما ، الّذين قرءوا الأحاديث مرّات متعدّدة عند مشايخهم الماهرين في الحديث والعلوم المذكورة ، وأخذوا منهم إجازات متعدّدة ، وصرفوا كثيرا من عمرهم في مطالعة تفاسير الكتاب وشروح الأحاديث والمتعلقات والحواشي المكتوبة لهما ، والتحقيقات الصادرة فيهما ، وممارسة العلوم المذكورة ومزاولتها ، وملاحظة خصوصيات مسائلها لأجل خصوصيات المقامات ، فإنّا مع ذلك نراهم غير مستغنين عنها ، حريصين في تحصيل كتبها وضبطها ، ونراهم في مقام التدريس والمذاكرة والمطالعة لا محيص (١) لهم (٢) عن مطالعة كتب تلك العلوم ، أو (٣) ملاحظة الشروح والحواشي ، ولا أقلّ ممّا كتبوها في هامش كتبهم الحديث ، وتحت سطورها ممّا انتخبوها واقتبسوها منها.
بل لو تتبعت وجدت أنّ المتقدمين من فقهائنا والمتأخرين منهم ديدنهم وطريقتهم ذلك ، ووجدت كتبهم تنادي به ، وكلماتهم صريحة في أنّ معنى هذه اللفظة وهذه العبارة مثلا كذلك بقول سيبويه والأصمعي وأمثالهما ، وربّما يقولون على ما قاله أهل اللغة ، أو على ما هو في كتبهم ، وكثيرا ما يتمسّكون بأشعار امرئ القيس وأمثاله إلى غير ذلك. بل وهذا المنكر النافي أيضا حاله حالهم ، وطريقته
__________________
(١) في الف : (لا يحصل).
(٢) في الف : (لهم غنى).
(٣) في الحجرية : (و).
