ذلك في الحديث والآية ويريد أن يجتهد ، فلا يفهم من الآية والحديث إلّا الذي رسخ في ذهنه سابقا ، ويفهم ذلك منهما على طبق ذلك ، فديدنه تحصيل الدليل وفهمه من فهم الفقهاء ، ومعرفة الدليل من جهة حكم المجتهد ، فيفهم من لفظ الأرض معنى السماء ، ومن لفظ الضبّ النون كما نبّهنا عليه ، فيزعم أنّه مثل المجتهد يحصّل الفقه من الدليل ، ولا يتفطّن أنّ أمره بالعكس ، وأنّه في الحقيقة مقلّد الفقهاء من حيث لا يشعر.
ومع ذلك يطعن عليهم بأنّهم جعلوا الدليل أزيد من الآية والحديث ، وأنّه لا يجوز الخروج عن متونهما ، فإذا اعترضت عليهم بأنّ لفظ الضبّ لا يدلّ على النون وليس معناه ، لا مطابقة ولا تضمّنا ولا التزاما ، ربّما يقولون أهل العرف وكذلك يفهمون ، ولا يميّزون بين الحكم الشرعي والمدلول اللغوي ، ولا يدرون أنّ العرف واللغة لا طريق لهم إلى الأحكام الشرعية إلّا من جهة الشرع.
والدليل عندكم منحصر في الآية والحديث ، فمن أيّ آية ومن أيّ حديث فهموا ثمّ وضعوا اللفظ له؟! أم كيف يجعلون قول العرف واللغة آية وحديثا؟!
وربّما يدّعون أنّ الراوي كان يفهم وفهمه حجّة ، ولا يتأمّلون أنه لم يرد آية ولا حديث أنّ الراوي يفهم كذا ، فإذا لم يكن دليل آخر لم يكن ما ادّعوه إلّا رجما بالغيب.
ومع ذلك ، الكلام في فهم الراوي فإنّه من أهل اللغة ، فكيف يفهم من لفظ ما لم يكن مدلوله لا مطابقة ولا تضمّنا ولا التزاما؟
وعلى فرض أنّه فهم كذلك ، كان فهمه باطلا بلا شبهة لو لم يفهم الحكم من إمام.
نسأل الله العصمة من الخطأ والغفلة.
