أهل العربية ـ فالطلب معنى والاستحباب معنى (١) آخر ، مع أنّا بمجرّد الاطّلاع على الأمر يتبادر إلى ذهننا معنى الاستحباب لا غير ، من دون ملاحظة القرينة والاطّلاع على المعارض ، بل في الأكثر لم يرد معارض أصلا ، بل كثير من المقامات ورد بلفظ الوجوب والفرض وأمثال ذلك ، ومع ذلك يتبادر إلى ذهننا معنى الاستحباب ، مع عدم ملاحظة معارض ، بل وعدم المعارض أصلا.
وربّما كان المعارض في بعض المقامات العمومات ، ومعلوم أنّ الخاص مقدّم فلا وجه للحمل على الاستحباب ، مع أنّ الحمل إنّما يكون بعد ملاحظة المعارض ومقاومته ، واختيار الجمع الذي هو أقرب.
فان قلت : لعلّ منشأ التعدّي في المسائل التي ذكرت هو تنقيح المناط.
قلت : هذا فاسد ؛ لأنّا لو فرضنا عدم تحقّق الإجماع لكان الأمر كما ذكرنا قطعا ، مع أنّه لا يجوز التعدّي ولا يمكن ، بل عدم التعدّي متعيّن بالنحو الذي أشرنا ، ولا ينكر هذا إلّا مكابر.
مع أنّ تنقيح المناط ليس مجرّد العبارة ، بل معناه أنّا وجدنا مناط الحكم وعلّته على سبيل العلم ، ووجدنا أنّ خصوصيّة المادّة لا دخل لها في العلّة قطعا ، وكذا عدم وجود المانع.
وإنّما قيّدنا العلم (٢) والقطع حتى لا يصير القياس المنهي عنه بالضرورة ؛ إذ الفرق بينه وبين القياس هو العلم بحجيّة تنقيح المناط ، بسبب أنّه إذا حصل العلم والقطع بالعلة بالنهج المذكور ففي أيّ موضع وجدت هذه العلّة وجد هذا الحكم ؛
__________________
(١) في ب : (أمر).
(٢) في ب : (بالعلم).
