الماء القليل ربّما يكون مثل السمن واللبن ، فلا تكون الميتة منجّسة ؛ لأنّ الماء القليل لا ينفعل ، ألا ترى! أنّ السمن واللبن ينجسان من مثل العذرة قطعا؟!
وأعجب من هذا أنّه يجزم أنّ بين ما ورد من النهي عن الوضوء بالقليل من الماء الملاقي للعذرة وبين جواز الوضوء بالقليل الذي ماتت فأرة فيه تعارضا ، حتّى أنّه لا يرضى في مقام الجمع بينهما بإبقاء كلّ واحد منهما على حاله وجها من وجوه الجمع بأنّ العذرة تنجس كما قال المعصوم عليهالسلام (١) ، والفأرة لا تنجس كما قال المعصوم عليهالسلام (٢) ، بل يجعل الجمع ما ليس مدلولا لواحد منهما ، مثل الكراهة عند القائل بعدم الانفعال ، وغيرها عند غيره ، ويلتزم الخروج عن ظاهر كلّ واحد منهما ، مع أنّه ليس بينهما تعارض أصلا ، ولو لا الإجماع المركّب لقال بالفرق والفصل ، بل لو اتّفق وجود قائل بالفرق والفصل وإن كان نادرا التزم (٣) بالفرق ، وقال بالفصل والجزم بعدم التعارض أصلا ، وشنّع على القائل بالتعارض.
ثم اعلم أنّ الّذي ذكرناه ليس مختصّا بالمسائل التي ذكرناها ، بل لا تكاد توجد مسألة من مسائل الفقه ومعرفتها من الآية والحديث إلّا بمعونة الإجماع ، وبهذا المعنى صرّح غير واحد من المحقّقين (٤).
وعلى قياس المسائل الفقهيّة ما ورد من الأدعية والأعمال المستحبّة ؛ فإنّ جلّها ورد بلفظ الأمر الذي هو حقيقة في الوجوب عند الأكثر (٥).
ولو قيل بأنّه حقيقة في الطلب ـ مع أنه خلاف ما عليه الفقهاء والمحقّقون من
__________________
(١) يدل عليه ما ورد في : وسائل الشيعة : ١ / ١٥٥ الحديث ٣٨٧ و ١٥٩ الحديث ٣٩٤.
(٢) يدل عليه ما ورد في : وسائل الشيعة : ١ / ١٣٩ الحديث ٣٤٣.
(٣) في الف : (لزم) وفي ب : (الجزم).
(٤) لاحظ : كشف القناع : ٣١ ـ ٣٧.
(٥) معالم الاصول : ٤٦.
