منهم ، ولا يستأهل الاستنباط إلا المجتهد بالمعنى المعروف بينهم (١) ، وأنّ من لم يبلغ درجة الاجتهاد فليس له إلّا التقليد ، وشدّدوا عليه كلّ التشديد ، ويعتبرون في الاجتهاد معرفة علوم شتّى ، ووجود شرائط اخرى على ما هو منهم مشهور ، وفي كتبهم مسطور ، فالرجل المذكور بعد الملاحظة التي ذكرنا والاطّلاع الّذي أشرنا ، وبعد التخلية والخلوص كيف يحصل له العلم بالحكم مع قصوره عن درجة الاجتهاد ، ولا يبني استنباطه على ما اعتبره المجتهدون وجعلوه شرطا ، وكيف يحصل له القطع ببطلان ما اتفق عليه جميع هؤلاء المتبحّرين الماهرين المطلعين المتّقين (٢) ، الأئمة (٣) في الفقه ، سيّما ومع معروفية أنّهم قلّما يتّفقون في مسألة ؛ لتباين مشربهم وسليقتهم وعدم تقليدهم للآخر (٤) ، فإنّ قطعه حينئذ ببطلان ذلك مع عدم اطلاعه على أدلّتهم ، والدواعي الّتي دعتهم ، وعدم ملاحظته إيّاها ، وعدم تصحيحه وتسقيمه بعد (٥) ، بل ولو (٦) كان قلبه خاليا من الشوائب ليعلم قطعا أنّه من قصوره ؛ ليس بحيث يمكنه مبارزة هؤلاء المجتهدين أصلا ، سيّما في مثل هذه المعركة ، بل ولا يمكنه مبارزة مجتهد في مقام ، بل ولا يمكنه درك أدلّتهم ، ولهذا ترى المتديّنين منهم ـ مهما أمكنهم ـ لا يخرجون عن قول من أقوالهم في موضع من المواضع ، بل ولو علموا أنّ المجتهدين الآخرين ضعّفوه وقالوا : إنّه من غير دليل ،
__________________
(١) في ب : (عندهم).
(٢) في ج والحجرية : (المتقنين).
(٣) في و : (الذين هم الائمة).
(٤) في الحجرية : (الآخر).
(٥) كذا في النسخ ، والظاهر أنّ الصحيح «بعيد» مكان «بعد» حتى تكون خبر «فإنّ قطعة» ، ويمكن قراءة الكلمة «بعد» فيحذف المفعول المطلق اي بعد بعيدا.
(٦) في الحجرية وج ، ه : (لو).
