فيه ؛ أنّ تجويز العقل خلاف العلم العادي إنّما هو مع قطع النظر عن مقتضى العادة أو ملاحظة القرينة ، أمّا مع كلّ واحد منهما فلا يجوز وقوعه ، وأنّه تحقّق ووجد ، وقد صرّح بذلك المجتهدون وغيرهم ، ألا ترى أنّ العقل لا يجوّز صيرورة الأواني المنكسرة في البيت ـ الغائبة عن نظرنا لحظة ـ علماء فضلاء ماهرين في العلوم ، عارفين دقائق الهندسة؟!
وإن كان هذا العلم أضعف من العقلي البحت ، فإن كان الجزم في الخبر الواحد المحفوف بالقرينة يصل إلى حدّ لا يجوّز العقل خلافه يصير أيضا من العلم العاديّ ، وإن كان عدم تجويزه فيه أضعف منه في المثال السابق ، كما أنّ عدم تجويزه في المثال أضعف منه في العلم العقلي.
على أنّا نقول : إذا كان عقليّا يجوز خلافه مطلقا واحتمل عنده وقوع الخلاف وأنّه تحقّق بعد ملاحظة العادة والقرينة أيضا ، فالجازم له من هو؟ والمدرك له أيّ شيء؟ ومن أين الجزم؟
ومع ذلك فالكلام في كون هذا من أفراد العلم وممّا يطلق هو عليه حقيقة لغة وعرفا ؛ لأنّ المتبادر من لفظ العلم ـ على الإطلاق ـ هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ، ومن هذا لو اعتقد أحد أمرا وجزم بمطابقته للواقع ، واعتقد آخر خطأه ومخالفته للواقع ، فذلك الآخر لا يطلق عليه لفظ العلم بأن ينسب معتقده إليه ، ولا يقول : يعلم فلان كذا ، بل يقول : يزعم ، أو يتوهّم ، أو يظنّ.
بخلاف الظنّ ؛ فإنّ الظانّ ينسب إليه وإن علم خطأه ، يقول : ظنّ فلان كذا ، ألا ترى أنّ المسلم لا يقول : اليهودي ـ مثلا ـ يعلم أنّ محمّد عبد الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ليس برسول بل شاعر مفتر ، والمشرك علم أنّ لله شريكا؟! والشيعة لا تقول : السنّي
