قلت : دعوى ظهور عدم التغيّر (١) بالنسبة إلى الكلّ محلّ مناقشة ، كما عرفت.
سلّمنا لكن نقول : لعلّ وفور القرائن لهم أغناهم عن البحث ؛ فإنّ محاوراتهم كانت كمحاوراتنا ، ونحن لا نكاد نجد في محاوراتنا أمرا ـ مثلا ـ بغير قرينة ، مع أنّه لو كان وقع في محاوراتهم بغير قرينة أيضا ، فلا بدّ من أن يكونوا مطّلعين على المعنى الحقيقي والمفاد بغير قرينة ، وإلّا لكانوا مقصّرين في عدم البحث عنه جزما ومعاقبين ، مع أنّهم كانوا يبنون كلامهم على أمر من غير تأمّل ، وأيضاً كيف يتحقّق هذا مع عدم الاطلاع؟
وغير خفيّ أنّا في أمثال زماننا متحيّرون غير مطّلعين ، بل يمكن أن نقول : لو لم يقع بين علمائنا وغيرهم النزاع في الامور المذكورة ، ولم يشتهر ذلك إلى حدّ صار منشأ للاشتباه علينا ليحتمل أن نكون نحن أيضا مستغنين عن البحث في هذه الامور.
مع أنّه كثيرا ما يشتهر من اجتهادهم امور لا أصل لها ، واصطلاحات لا نعلم صحتها كما نبّهنا عليه غير مرّة ، فلو لم نبحث لظننا حقيّتها ، وتوهّمنا حجّيتها ، كما هو الحال الآن بالنسبة إلى القاصرين في علم الاصول ، كما أشرنا إليه في الفصل الخامس (٢).
والحاصل ؛ أنّ أهل زمان المعصوم عليهالسلام لو كان حالهم حالنا ومع ذلك لم يبحثوا لكانوا مقصّرين آثمين حيرانين لا يبنون أمرهم على شيء ، أو يبنون بوجه ظاهر الفساد وإن لم يكونوا مقصّرين ، وكانوا يبنون أمرهم عليه ، أو كان أحد
__________________
(١) في ج ، و : (عدم التغيير).
(٢) راجع الصفحات : ٤٤ ـ ٦٦.
