ولما كان هذا التكذيب لم يعم الماضين بعض فقال : (مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني كفار الأمم الماضية.
ولما كان سبحانه قد أملى لهم ثم أخذهم بعد طول الحلم أخذا بقيت أخباره ، ولم تندرس إلى الآن على تمادي الزمان آثاره ، فكان بحيث يسأل عنه لعظم أحواله ، وشدة زلازله وفظاعة أهواله ، سبب عن ذلك قوله منبها على استحضار ذلك العذاب ولو بالسؤال عنه : (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب في تمكن كونه وهول أمره ، فقد جمع إلى التسلية غاية التهديد.
ولما ذكر بمصارع الأولين ، وكان التذكير بالحاصب تذكيرا لقريش بما حصب به على قرب الزمان عدوهم أصحاب الفيل بما أرسل عليهم من الطير الأبابيل تحذيرا لهم من ذلك إن تمادوا على كفره ، ولم ينقادوا إلى شكره ، فكان التقدير تقريرا لزيادة قدرته وحسن تدبيره ولطف تربيته حيث جبر الطير لضعفها بالطيران ليكمل بعموم رحمانيته أمر معاشها تقريرا لأن بيده الملك وترهيبا من أن ينازعه أحد في تدبيره مع تبقية القول مصروفا عن خطابهم ، إيذانا بشدة حسابهم وسوء منقلبهم ومآبهم ؛ ألم يروا إلى قدرتنا على مصارع الأولين وإهلاك المكذبين وإنجاء المؤمنين ، عطف عليه قوله معرضا عنهم زيادة في الإنذار بالحصب من الطير وغيرها : (أَوَلَمْ يَرَوْا) وأجمع القراء على القراءة هنا بالغيب لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل. وأشار إلى بعد الغاية بحرف النهاية فقال : (إِلَى الطَّيْرِ) وهو جمع طائر.
ولما كان الجو كله مباحا للطيران نزع الجار فقال : (فَوْقَهُمْ) وبين حال الطير في الفوقية بقوله واصفا لها بالتأنيث إشارة إلى ضعفها في أنفسها لو لا تقويته لها (صافَّاتٍ) أي باسطات أجنحتها تمدها غاية المد بحيث تصير مستوية لا اعوجاج فيها مع أنه إذا كان جماعة منها كانت صفوفا أو صفا واحدا في غاية الانتظام تابعة لإمام منها.
ولما عبر عن الصف بالاسم لأنه الأصل الثابت ، عبر عن التحريك بالفعل لأن الطيران في ساحة الهواء كالسباحة في باحة الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها ، والقبض طارىء على البسط فقال : (وَيَقْبِضْنَ) أي يوقعن قبض الأجنحة وبسطها وقتا بعد وقت للاستراحة والاستظهار به على السبح في الهواء. ولما تم هذا التقدير على هذا الوجه الرائع للقلوب ترجمه بقوله : (ما يُمْسِكُهُنَ) أي في الجو في حال القبض والبسط عن السقوط على خلاف ما يقتضيه الطبع.
ولما كان هذا من التدبير المحكم الناظر إلى عموم الرحمة قال : (إِلَّا الرَّحْمنُ) أي الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن ـ بعد أن أفاض عليهن رحمة الإيجاد ـ
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
