السحر من أعظم ما أثر في النبي صلىاللهعليهوسلم من كيدهم حتى أنزل فيه المعوذتان ، وكان الساحر له منهم ، وقد انقضى ما يسر الله من الكلام على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها ، وبقي الكلام على كلماتها من حيث العدد ، فيما تشير إليه من البركات والمدد ، هي ثلاث وعشرون كلمة إشارة إلى أنه صلىاللهعليهوسلم في السنة الثالثة والعشرين من النبوة يأمن من أذى حاسديه ، وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس الحاسدين من كل شيء من الأذى في الدين والدنيا ، وخلاص النبي صلىاللهعليهوسلم من كل كدر ، فإذا ضممت إليها الضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين ، وهي توازي سنة خمس عشرة من الهجرة ، وذلك عند استحكام أمر عمر رضي الله عنه في السنة الثانية من خلافته ببث العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس والروم وتغلغل هيبته في قلوبهم وتضعضع الفرس بغلب العرب على رستم أكبر أمرائهم ، والروم بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم ، فاضمحل أمر المنافقين والحاسدين ، وأيسوا من تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين ، فإذا ضم إليها أربع كلمات البسملة كانت اثنتين وثلاثين ، إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة التاسعة عشرة من الهجرة ، وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام ، وبفتحها كان فتح جميع بلاد الشام ، لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي المسلمين ، فزالت عنها دولة الروم ، وفيها أيضا كان فتح جلولاء من بلاد فارس وكان فتحا عظيما جدا هدّ أجنادهم وملوكهم ، ولذلك سمي فتح الفتوح ، وحصل حينئذ أعظم الخزي للفرس والروم الذين هم أحسد الحسدة ، لما كان لهم من العزة والقوة بالأموال والرجال ، وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك أعظم الحسدة الأكاسرة الذين شقق ملكهم كتاب النبي صلىاللهعليهوسلم ، وأرسل إلى عامله باذان ـ الذي كان استخلفه على بلاد اليمن ـ يأمره أن يغزو النبي صلىاللهعليهوسلم ، فأخبر الله نبيه صلىاللهعليهوسلم بأنه يقتله سبحانه في ليلة سماها ، فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي صلىاللهعليهوسلم رسل باذان بذلك ، فرجعوا إلى باذان فأخبروه فقال : إن كان صادقا فسيأتي الخبر في يوم كذا ، فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صلىاللهعليهوسلم فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف منهم أحد ، وأوفد منهم وفدا على النبي صلىاللهعليهوسلم بذلك ، وتولى الله ورسوله صلىاللهعليهوسلم ـ رضي الله عنهم والله أعلم.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
