كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته سبحانه وتعالى ، فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها تصحيحا لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء ، ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك عنه شيئا : (أَعُوذُ) أي أستجير وألتجىء وأعتصم وأحترز.
ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم تربية قال : (بِرَبِّ الْفَلَقِ) أي الذي يربيه وينشىء منه ما يريد ، وهو الشيء المفلوق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال ، وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب ، وكالنبات الذي فلقت به ظلمة الصعيد ، وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء ، وكالصبح الذي فلقت به ظلمة الليل ، وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات ، قال الملوي : والفلق ـ بالسكون والحركة كل شيء انشق عنه ظلمة العدم وأوجد من الكائنات جميعها ـ انتهى ، وخص في العرف بالصبح فقيل : فلق الصبح ، ومنه قوله تعالى : (فالِقُ الْإِصْباحِ) [الأنعام : ٩٦] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاكاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء ، فإن القادر على ما قبله بما نشاهده قادر عليه ، لأنه لا فرق ، بل البعث أهون في عوائد الناس لأنه إعادة ، كذا سائر الممكنات ، ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ من كل ما يخافه ويخشاه.
ولما كانت الأشياء قسمين : عالم الخلق ، وعالم الأمر ، وكان عالم الأمر خيرا كله ، فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خاصة بالاستعاذة فقال تعالى معمما فيها : (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) أي من كل شيء سوى الله تعالى عزوجل وصفاته ، والشر تارة يكون اختياريا من العاقل الداخل تحت مدلول «لا» وغيره من سائر الحيوان كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم ، وتارة طبيعيا كإحراق النار وإهلاك السموم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : قد أشير ، أي في الكلام على ارتباط الإخلاص ـ إلى وجه ارتباطها آنفا ، وذلك واضح إن شاء الله تعالى ـ انتهى.
ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ذكر له من الحكم ، وكان شر الأشياء الظلام ، فإنه أصل كل فساد ، وكانت شرارته مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية ، خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر. ولذا قيل : شر العداة المداجي ، وكانت
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
