وتعالى فيه سورة الفتح ، وكان فيها من دلائل الوحدانية أمور كثيرة توجب الإخلاص ، وإن كان في ذلك نوع خفاء مناسبة للضمير وإن كان بارزا بالفعل ، فقد خفي على كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى نبههم النبي صلىاللهعليهوسلم ، فإذا ضممت إليها كلمات البسملة الأربع كانت ثلاثا وعشرين توازي السنة العاشرة من الهجرة ، وهي الثالثة والعشرون من النبوة ، وفيها كان استقرار الفتح الأكبر والإخلاص الأعظم بنفي الشرك وأهله من جزيرة العرب لحجة الوداع التي قال النبي صلىاللهعليهوسلم فيها : «إن الشيطان ـ قد أيس أن يعبد في أرض العرب» (١) ولذلك توفى الله تعالى نبيه صلىاللهعليهوسلم عقبها بعد إظهار الدين وإذلال الكافرين وإتمام النعمة ، وقام سبحانه بنصر الأمة وحده بعد أن مهد أسباب النصر بنبيه صلىاللهعليهوسلم حتى علم قطعا في الردة وأحوالها ، وموج الفتنة وأهوالها ، وغلبة رعبها على القلوب وزلزالها ، في ذلك الاضطراب الشديد ، أنه الإله وحده الذي لا كفوء له لحفظ الدين في حياة نبيه صلىاللهعليهوسلم وبعده ، وكذا فيما بعد ذلك من فتوح البلاد ، وإذلال الملوك العتاة الشداد ، مع ما لهم من الكثرة والقوة بالأموال والأجناد ، والتمكن العظيم في البلاد ، وجعل النصر عليهم بأهل الضعف والقلة آية في آية ، ودلالة بالغة في ظهورها الغاية ، وإذا سلكت طريقا آخر في الترتيب في الكلمات الخطية والاصطلاحية دلّك على مثل ذلك بطريق آخر ، وذلك أن تضم إلى الكلمات الخمس عشرة كلمات البسملة الأربع لتكون تسع عشرة فنوازي سنة ست من الهجرة ، وذلك سنة عمرة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحا ، وأنزل فيها سورة الفتح لكونها كانت سبب الفتح الذي هو عمود الإخلاص ، فإذا ضممت إليها الضمير المستتر كانت عشرين ، فوازت سنه سبع التي كانت فيها عمرة القضاء ، فأظهر الله فيها الإخلاص على عبده ورسوله صلىاللهعليهوسلم بين أظهر المشركين في البلد الذي كان بعثه منه وفيه على وجه ظهر فيه أنه لا كفوء له ، ولكن كان ذلك بوجه خفي ، فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي البروز كانت اثنتين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس في دين الله أفواجا ، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة ، والوحدة لا تقتضي الإلهية ، وعبر به دون الواحد لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه ، والواحد ـ قال ابن سينا ـ مقول على ما تحته من التشكيك ، والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض الوجوه ، والذي ينقسم انقساما عقليا أولى مما ينقسم بالحس ، والذي
__________________
(١) أخرجه أحمد ٥ / ٧٣ عن عم أبي حرة الرقاشي وأيضا ٢ / ٣٦٨ وذلك عن أبي هريرة وأخرجه أيضا ٣ / ٣١٣ و ٣٥٤ عن جابر رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في المحقرات من الذنوب.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
