بصمديته المستلزمة لوحدانيته أن الكل مستند إليه ومحتاج إليه ، وأنه المعطي لوجود جميع الموجودات ، والمفيض للجود على كل الماهيات فلا يجانس شيئا ولا يجانسه شيء ، ولا يكون له نظير في شيء من ذلك. وكان ربما تعلق بوهم واهم أن تولد غيره عنه يكون من تمام سؤدده المعبر به عن قدرته ، بين أن ذلك محال لاقتضائه الحاجة مما لا تعلق له بالقدرة لأن القدرة من شأنها أنها لا تتعلق بالمحال ، وهذا محال ، لأنه سبحانه صمد ، فكان ذاك بيانا للصمدية في كلا معنييها ، فقال من غير عاطف دالّا على انتفاء الجوف الذي هو أحد مدلولي «صمد» مكاشفا للعقلاء شارحا لأنه لا يساويه شيء من نوع يتولد عنه ولا جنس يولد هو عنه ، ولا غير ذلك يوازيه في وجود ولا غيره (لَمْ يَلِدْ) أي يصح ولم ينبغ بوجه من الوجوه أن يقع تولد الغير عنه مرة من المرات ، فكيف بما فوقها لأن ذلك مستلزم للجوف وهو صمد لا جوف له ، لأن الجوف من صفات النفس المستلزم للحاجة وهو مستغن بدوامه في أبديته عمن يخلفه أو يعينه لامتناع الحاجة والفناء عليه ، فهو رد على من قال : الملائكة بنات الله أو عزير أو المسيح أو غيره.
ولما بين أنه لا فصل له ، ظهر أنه لا جنس له ، فدل عليه بقوله : (وَلَمْ يُولَدْ) لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول ، فهو قديم لا أول له بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم ، لأن الولادة لا تكون ولا تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها ، وكل ما كان ماديا أو كان له علاقة بالمادة ، كان متولدا عن غيره فكان لا يصح أن يتولد عنه شيء لأنه لا يصح أن يكون هو متولدا عن غيره لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه هو ، فهويته لذاته ، ومن كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن بتولد عن غيره لأنه لو تولد عن غيره لم يكن هو هو لذاته ، ولا يكون أحدا حقيقيا ولا صمدا ، فينتفي من أصله ، ولا يكون له من ذاته إلا العدم ، فقد تبين أنه واجب الوجود ، فوضح كالشمس أنه ليس ماديا لأنه غير محتاج بوجه ، فلا يصح أن يتولد عنه غيره ، لأنه لم يصح أن يتولد هو عن غيره ، ومن كان كذلك لم يكن له مثل ، فلا يصح بوجه أن يساويه شيء ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما انتفى في الأول والآخر ، فدل على ذلك إتماما لشرح حقيقته المعبر عنها بهو بقوله : (وَلَمْ يَكُنْ) أي لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من التقادير (لَهُ) أي خاصة (كُفُواً) أي مثلا ومساويا (أَحَدٌ) على الإطلاق ، أي لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار الجنس والفصل ، فيكون وجوده متولدا عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون كالأم ، والفصل الذي يكون كالأب ، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه أن يكون في
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
