دخلنا أهل البيت وكنا نكتم إسلامنا ، فما ملكت نفسي أن قلت. تلك والله الملائكة ، قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة ، قال : وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك عليّ يضربني وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل ـ يعني سيدته ـ زوجة العباس رضي الله عنها إلى عمود الحجرة ـ أي الخيمة ـ فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت : استضعفته أي عدو الله إن غاب عنه سيده ، فقام موليا ذليلا فو الله ما عاش إلا سبع ليال أو ستا حتى رماه الله بالعدسة فقتله وما نفعه إبعاده عن الخطر بتخلفه عن بدر ، والعدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل غالبا ، قال القزاز : كانت تعدي في الجاهلية قلما يسلم منها أحد ، تقول : عدس الرجل فهو معدوس ، كما تقول : طعن فهو مطعون ـ إذا أصابه الطاعون ـ انتهى. ولأجل تشاؤم العرب بها ترك أبو لهب من غير دفن ثلاثا حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه ، ويقال : إنهم حفروا له حفرة بعيدة عنه من شدة نتنه ثم دفعوه بخشب طوال حتى رموه فيها ورجموه بالحجارة والتراب من بعيد حتى طموه ، فكان ذلك سنة في رجمه فهو يرجم إلى الآن ، وذلك من أول إعجاز هذه الآيات أن كان سبة في العرب دون أن يغني عنه شيء مما يظن أنه يغني عنه.
ولما أخبر سبحانه وتعالى بوقوع هذا التبار الأعظم به ، وكان لا عذاب يداني عذاب الآخرة ، بينه بقوله : (سَيَصْلى) أي عن قرب بوعد لا خلف فيه (ناراً) أي فيدس فيها وتنعطف عليه وتحيط به.
ولما كان المقصود شدة نكايته بأشد ما يكون من الحرارة كما أحرق أكباد الأولياء ، وكانت النار قد تكون جمرا ثم تنطفىء عن قرب قال : (ذاتَ لَهَبٍ) أي لا تسكن ولا تخمد أبدا لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر عنها ب «ذات» ، وذلك بعد موته ، وليس في السورة دليل قاطع على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون الصلي على الفسق ، فلا دليل فيها لمن يقول : إن فيها التكليف بما علم أنه محال ليكون قد كلف بأن يؤمن وقد علم أنه حكم بأنه لا يؤمن ، وإن كان الله قد حقق هذا الخبر بموته كافرا في الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر وهي الخامسة عشرة من النبوة ، لكن ما عرف تحتم كفره إلا بموته كافرا لا بشيء في هذه السورة ولا غيرها ، ومن الغرائب أن الكلمات المتعلقة به في هذه السورة خمس عشرة كلمة ، فكانت مشيرة إلى سنة موته بعد أن رأى تبابه في وقعة بدر وغيرها بعينه ، فإذا ضممنا إليها كلمات البسملة الأربع وازت سنة ست من الهجرة ، وهي سنة عمرة الحديبية سنة الفتح السببي التي تحقق فيها تبابه وخساره عند كل من عنده إيمان بالغيب ودفع للريب ، فإذا ضممت إليها الضميرين البارزين اللذين
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
