كلماتها مع البسملة كانت باعتبار الرسم ثلاثا وعشرين كلمة ، وذلك مشير إلى انقضاء الخلافة التي لم تكن قط خلافة مثلها ، وهي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه باستشهاده في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ، فإذا ضممت إلى ذلك الضمائر البارزة وهي خمسة. والمستترة وهي ثلاثة ، فكانت أحدا وثلاثين ، وحسبت من حين نزول السورة على النبي صلىاللهعليهوسلم في ذي الحجة سنة عشر كان ذلك مشيرا إلى انقضاء خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، وذلك عند مضي ثلاثين سنة من موت النبي صلىاللهعليهوسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة لا تزيد شهرا ولا تنقصه ، وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ومستترها دلت على فتح مكة المشرفة بعينه ، فإنها ـ كما مضى ـ ثمانية وقد كان الفتح سنة ثمان من الهجرة ، ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل على السنين بحسب التفصيل ، فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش لأنهم المقصودون بالذات لأن العرب لهم تبع ، والمستتر يدل على ضد ذلك ، وشرح هذا أنه لما كانت قد خفقت في السنة الأولى من الهجرة رايات الإسلام في كل وجه ، وانتشرت أسده في كل صوب ، وانبثت سراياه في كل قطر ، أشار إليها التاء في (وَرَأَيْتَ) التي هي ضميره صلىاللهعليهوسلم إشارة إلى ما يختص بفهمه من البشارة. ولما كان في السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر وعظيم النصر ما هدّ قلوب الكفار ، وشد قلوب الأنصار في سائر الأمصار ، وأعلى لهم القدر ، أشار إلى ذلك واو (يَدْخُلُونَ ،) ولما حصل في السنة الثالثة ما لم يخف من المصيبة في غزوة أحد التي ربما أوهمت بعض من لم يرسخ نقصا ، أشار إلى ذلك الضمير المستتر في (فَسَبِّحْ) ، ولما كان الخبر في الرابعة بإجلاء بني النضير وإخلاف قريش للوعد في بدر جبنا وعجزا حيث وفى النبي صلىاللهعليهوسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا ، منها بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء ، أشار إلى ذلك الكاف في (رَبِّكَ) ولما كان في الخامسة غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في (وَاسْتَغْفِرْهُ) ولما كان في السادسة عمرة الحديبية التي سماها النبي صلىاللهعليهوسلم فتحا ، أنزل الله فيها سورة الفتح لكونها كانت سببا للفتح ، فكان ذلك علما من أعلام النبوة ، ولبعث النبي صلىاللهعليهوسلم فيها إلى الملوك يدعوهم إلى الله تعالى أشار إلى ذلك الضمير البازر في (وَاسْتَغْفِرْهُ) وأكد قوته كونه للرب تعالى ، ولما كان في السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار إليها الضمير الظاهر في (إِنَّهُ) ولما كان ضمير (كانَ) لله ، وكان له سبحانه حضرتان : حضرة غيب وبطون ، وحضرة شهادة وظهور ، وكانت حضرة الغيب هي حضرة الجلال والكبرياء والعظمة والتعالي ، وحضرة الشهادة حضرة التنزل بالأفعال
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
