يدخل تحت الوصف ، فأغنيناك عن أن تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلب نفع أو دفع ضر ، ومنه النهر الذي في الجنة ويسقي المؤمنين من الحوض الممدود منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعته صلىاللهعليهوسلم التي عراها وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم ، فقد اجتمع لك الغبطتان : أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما نهى عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا ، أتبع ذلك بما منح نبيه مما هو خير مما يجمعون ، وهو الكوثر وهو الخير الكثير ، ومنه الحوض الذي ترده أمته في القيامة ، لا يظمأ من شرب منه ، ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق وإراحتهم من هول الموقف ، ومن هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل الغنائم والنصر بالرعب والخلق العظيم إلى ما لا يحصى من خيري الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس : ٥٨] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين ، الجامع لعقل الأولين والآخرين ، والشفاء لما في الصدور.
ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه نعيم الدنيا بجملتها ، قال مبينا له منبها على عظيم ما أعطاه (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا) [الحجر : ٨٨] إلى قوله (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى) فقد اضمحل في جانب نعمة الكوثر الذي أوتي كلّ ما ذكره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا وتمكن من تمكن منهم ، وهذا أحد موجبات تأخير هذه السورة ، فلم يقع بعدها ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض وتمامه ، وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شيء من ذلك كما تقدم من تمهيد إشاراتها ، وتبين بهذا وجه تعقيبها بها ـ والله تعالى أعلم ـ انتهى.
ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه ، سبب عنه قوله آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر : (فَصَلِ) أي بقطع العلائق من الخلائق بالوقوف بين يدي الله في حضرة المراقبة شكرا لإحسان المنعم خلافا للساهي عنها والمرائي فيها.
ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه الأمر بما للملك من العلو ، وكان أمره صلىاللهعليهوسلم تكوينيا لا إباء معه ، وقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب ، والإقبال لما يفيد من التحبيب ، مع التصريح بالتوحيد ، وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكرا فقال تعالى : (لِرَبِّكَ) أي المحسن إليك بذلك سرا وعلنا مراغما من شئت فلا سبيل
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
