رضي الله تعالى عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح من الأول ، ومن أغرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما طباق ، فالأولى في الآخر وهي الفيل أكرم الله فيها قريشا بإهلاك أهل الإنجيل ، والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن عليهم بإهلاك جبابرتهم ، فكان ذلك سببا لكسر شوكتهم وسقوط نخوتهم المفضي إلى سعادتهم ، وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليهم صلىاللهعليهوسلم ، وكان عدد التسع مشيرا إلى أن قريشا أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في الملكوت إلى الفلك التاسع ، وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع ، فهم يصعدون بأسرار الشرع ـ التي من أعظمها الصلاة ـ من الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معا كما أنه يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين ، وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى كانت ثمان عشرة ، فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات مضموما إليها الوتر ، وإلى ظهور الدين ظهورا كاملا على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين ، وهي الثامنة عشرة من موت النبي صلىاللهعليهوسلم ، وذلك في أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جدا ، وكذا ملك الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية ، ومن بديع الإشارات أيضا أنك إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع منها ، فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيرا إلى كون الدين يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين ، وهي السنة الثامنة من موت النبي صلىاللهعليهوسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم ، فقتلوا رجالهم ، وانتثلوا أموالهم ، كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد الأوثان من العرب ، ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي صلىاللهعليهوسلم ، فهي قبل النبوة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين : الفيل وقريش ، فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة ، وذلك ـ والله أعلم ـ إشارة إلى أن ابتداء الأمن ـ بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ومتاعهم ـ كان لمولده صلىاللهعليهوسلم وتشريف الوجود بوجوده ، ويكون ذلك ظاهرا كما كان السبب ـ الذي هو وجوده صلىاللهعليهوسلم ـ ظاهرا ، وإلى أن وسطه يكون بنبوته صلىاللهعليهوسلم ، ويكون ذلك باطنا كما أن السبب ـ وهو الوحي باطن ، ثم كان أمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السنة الثامنة الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة الذين كان الأمن أولا بإهلاكهم ، وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميرا ـ سبعة في الفيل وأربعة في قريش ـ كانت تسعا وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد سنة ست من
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
