تعظيما لأمرها كما ورد في قوله تعالى (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) [الحاقة : ١ ـ ٢] وفي قوله سبحانه : (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) [طه : ٧٨] ثم زاد عظيم هولها إيضاحا بقوله تعالى (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) والفراش ما تهافت في النار من البعوض ، والمبثوث : المنتشر (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) والعهن : الصوف المصبوغ ، وخص لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه ـ لا يلزم فيه ذلك ، ثم ذكر حال الخلق في وزن الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر ـ انتهى.
ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحوالها ، قال ما تقديره : تكون (يَوْمَ يَكُونُ) أي كونا كأنه جبلة (النَّاسُ) أي الذين حالهم النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور (كَالْفَراشِ) أي صغار الجراد لأنها تتفرش وتتهافت على النار ، أو هو طير غير ذلك لا دم له ، يتساقط في النار وليس ببعوض ولا ذباب ، وقال حمزة الكرماني : شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج ، وقال غيره : وجه الشبه الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش ، وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضا ـ وموج بعضهم في بعض من شدة الهول كما قال تعالى (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) [القمر : ٧] : (الْمَبْثُوثِ) أي المنتشر المتفرق.
ولما كانت الجبال أشد ما تكون ، عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال تعالى : (وَتَكُونُ الْجِبالُ) على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة (كَالْعِهْنِ) أي الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى : (وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ) [فاطر : ٢٧] أي وغير ذلك (الْمَنْفُوشِ) أي المندوف المفرق الأجزاء الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره ، فتراها لذلك متطايرة في الجو كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا.
ولما كان اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه ، سبب عن ذلك قوله مفصلا لهم : (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ) أي بالرجحان. ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جدا ، جمع الميزان باعتبارها فقال : (مَوازِينُهُ) أي مقادير أنواع حسناته باتباع الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل ، والموزون الأعمال أنفسها تجسدا وصحائفها (فَهُوَ) بسبب رجحان حسناته (فِي عِيشَةٍ) أي حياة تتقلب فيها ، ولعله ألحقها الهاء الدالة على الوحدة ـ والمراد العيش ـ ليفهم أنها على حالة واحدة ـ في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا (راضِيَةٍ) أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه ـ جنة عالية (وَأَمَّا مَنْ
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
