ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم ، لأن السياق لذم من جمد مع المألوف وترك المعروف ، أتبعه الأولياء فقال مؤكدا لما للكفار من الإنكار : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم (وَعَمِلُوا) أي تصديقا لإيمانهم (الصَّالِحاتِ) أي هذا النوع. ولما كان نعيم القلب أعظم ، قدمه على نعيم البدن إبلاغا في مدحهم فقال : (أُولئِكَ) أي العالو الدرجات (هُمْ) أي خاصة (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ).
ولما خصصهم بالخيرية ، ذكر ثوابهم ، فقال ذاكرا جنة أبدانهم معظما لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذن بأنه في مقابلة ما وصفوا به : (جَزاؤُهُمْ) أي على طاعاتهم ، وعظمه بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) إليهم المربي لهم وأي المحسن (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي إقامة لا تحول عنها (تَجْرِي) أي جريا دائما لا انقطاع له. ولما كان عموم الماء مانعا من تمام اللذة ، قرب وبعض بقوله : (مِنْ تَحْتِهَا) أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها (الْأَنْهارُ.)
ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال : (خالِدِينَ فِيها) ولما كان النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثا على اتباع الدليل المعروف ، والمفارقة للحال المألوف ، أكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم بقوله : (أَبَداً.)
ولما كان هذا كله ثمرة الرضا ، وكان التصريح به أقر للعين لأنه جنة الروح ، قال مستأنفا أو معلا : (رَضِيَ اللهُ) أي بما له من نعوت الجلال والجمال (عَنْهُمْ) أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. ولما كان الرضا إذا كان من الجانبين ، كان أتم وأعلى لهم قال : (وَرَضُوا عَنْهُ) لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك ، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدره أحد حق قدره ، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم ، وأعظم نعمه عليهم ما منّ عليهم به من متابعتهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فإن ذلك كان سببا لكل خير.
ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص ، قال معمما له ومنبها على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم : (ذلِكَ) أي الأمر العالي الذي جوزوا به (لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) أي خاف المحسن إليه خوفا يليق به ، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل ، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرمات بل كان ممن يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه ، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفا فيزيده شكرا ، فإن الخشية ملاك الأمر ، والباعث على كل خير ،
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
