تسوسهم الأنبياء عليهمالسلام كما دل على بعض ذلك قوله تعالى : (فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) [المائدة : ٧١] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة والسّلام ولا ينفصلون عنه بالكلية ، وتارة يعبدون الأصنام ، وتارة الملائكة ، وأخرى الجن ، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتا كليا مثل ثباتهم على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر ، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغير ذلك من خرافاتهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا.
ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرما عند فعل ما يقتضي اللوم ، بدأ بقوله : (مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا ، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى ، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا (وَالْمُشْرِكِينَ) أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب (مُنْفَكِّينَ) أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة ، ويثبتون على ذلك الانفكاك ، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحما ، من فك الكتاب والختم والعظم ـ إذا زايل ما كان ملتصقا ومتصلا به ، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم (لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) [فاطر : ٤٢] فيصيروا بذلك أحزابا وفرقا (حَتَّى) أي إلى أن (تَأْتِيَهُمُ) عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة (الْبَيِّنَةُ) أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهورا وضياء ونورا ، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان ، ولذلك أبدل منها قوله : (رَسُولٌ) أي عظيم جدا ، وزاد عظمته بقوله واصفا له : (مِنَ اللهِ) أي الذي له الجلال والإكرام (يَتْلُوا) أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له (صُحُفاً) جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها ، عبر بها عنه لشدة المواصلة (مُطَهَّرَةً) أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا المطهرون ، وقراءته وإن كان أميا لمثل ما فيها قراءة لها. ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة ، بين سبب ذلك فقال : (فِيها) أي
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
