والنبي الذي أنزل عليه ، مؤكدا لأجل ما لهم من الإنكار : (إِنَّا) أي بما لنا من العظمة (أَنْزَلْناهُ) أي هذا الذكر كله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا مرتبا هذا الترتيب الذي جمع الله الأمة المعصومة عليه ، وهو الموجود الآن ، وكذا كان إنزال أول نجم منه ، وهو أول السورة الماضية إنزالا مصدقا لأن عظمته من عظمتنا بما له من الإعجاز في نظمه ، ومن تضاؤل القوى عن الإحاطة بعلمه ، وأول ما أنزل منه صدرها إلى خمس آيات منها آخرها «ما لم يعلم» على النبي صلىاللهعليهوسلم وهو مجاور في هذا الشهر الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة ، ثم صار ينزل مفرقا بحسب الوقائع حتى تم في ثلاث وعشرين سنة ، وكلما نزل منه نجم يأمر النبي صلىاللهعليهوسلم بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى تم في السور على ما هو عليه الآن على ما هو عليه في بيت العزة.
ولما عظمه بما ذكر ، زاده عظما بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون طالعه سعيدا لما كان أثره حميدا فقال : (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) أي الليلة التي لها قدر عظيم وشرف كبير ، والأعمال فيها ذات قدر وشرف ، فكانت بذلك كأنها مختصة بالقدر فلا قدر لغيرها.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ورد تعريفا بإنزال ما تقدم الأمر بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب ، وأن السلوك إليه سبحانه إنما هو من ذلك الباب ، أعلم سبحانه وتعالى بليلة إنزاله وعرفنا بقدرها لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل لعلنا نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن قبيل الصلاة الوسطى ، ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة ، وكان في التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها ، فصارت سورة القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها ـ انتهى.
ولما علم من السياق تعظيمها بعظمة ما أنزل فيها وبالتعبير عنها بهذا ، قال مؤكدا لذلك التعظيم حثا على الاجتهاد في إحيائها لأن للإنسان من الكسل والتداعي إلى البطالة ما يزهده في ذلك : (وَما أَدْراكَ) أي وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص (ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أي لم تبلغ درايتك وأنت أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى عليّ قدرها على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر وعظيم المواهب.
ولما ثبتت عظمتها بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها ، قال مستأنفا : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أي التي خصصناها بإنزالنا له فيها (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي خالية عنها أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر ، قالوا : وهي مدة ملك بني أمية سواء ، وتسميتها بذلك
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
