عوض عن الياء ، وهم كل من عظم خلقه ، واشتد بطشه ، وقد اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ ، ولا موجب لحذفه من العربية لفظا ، وكأن المعنى في ذلك ـ والله أعلم ـ أن لا يظن أنهم دعوا لرفعة لهم في ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند الربانيين العلو والرفعة ، إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز ، أو يقال : إن الحذف دال على تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء أمر لا بد من إيقاع مضمونه ، ومن إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه ، وأن ذلك كله يكون على غاية الإحكام ، والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام ، لا سيما مع التأكيد بالسين ، الدال على تحتم الاتحاد والتمكين ، أو يكون المعنى : إنا ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر ، فيكون منهم ما لا يطاق ولا يستطاع دفاعه بوجه ، فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا عزمتهم.
ولما كان الذي تقدم نهي الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره بدعاء ناديه ، وكان الحكم في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة ، وفي الثاني أن الناهي لا ينتهي عن عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه ، فالكل منفي ، حسن كل الحسن الإتيان بأداة الردع فقال : (كَلَّا) أي لا يقدر على دعاء ناديه ولا ينتهي عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك.
ولما كان كأنه قيل : فما أفعل؟ قال معرفا أن من علم أن طبع الزمان وأهله الفساد ، وجب عليه الإقبال على شأنه والإعراض عن سائر العباد (لا تُطِعْهُ) أي في نهيه لك عن الطاعة بالصلاة أو غيرها.
ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين ، وكانت الصلاة يعبر عنها بالسجود لأنه ـ مع أنه جزؤها ـ هو أشرفها ، وهو أيضا يطلق على مطلق العبادة ، قال تعالى مشيرا إلى النصر له صلىاللهعليهوسلم ولأتباعه على كل من يمنعهم عبادته : (وَاسْجُدْ) أي دم على صلاتك وخضوعك بنفسك وجدد ذلك في كل وقت. ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله قال : (وَاقْتَرِبْ) أي اجتهد بسرك في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه بكل عبادة لا سيما الصلاة فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وقد شرح هذا المقام كما تقدم في الفاتحة قوله صلىاللهعليهوسلم «أعوذ بعفوك من عقوبتك» فإن هذه الجملة أفادت ـ كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر ـ مشاهدة أفعال الله فقط ، فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله ، فاستعاذ بفعله من فعله ، قال : ثم اقترب ففني في مشاهدة الأحوال ، وترقى إلى مصادر الأفعال ، وهي الصفات ، فقال : «أعوذ برضاك من سخطك» وهما صفتان ، ثم رأى ذلك نقصانا في التوحيد فاقترب وترقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
