الدين كله ، ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم ، ويكثرهم بعد قلتهم ، ويعزهم بعد ذلتهم ، ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد ، وينقاد له المخالف أتم انقياد ، ويفتح له أكثر البلاد ، ليكون هذا العطاء في اليسر بحسب ما كان وقع من العسر ، فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال ، دليلا قاطعا على أنه تعالى وحده الفعال ، وأن فعله بالاختيار ، لا بالذات والإجبار.
ولما كان العسر مكروها إلى النفوس ، وكان لله سبحانه وتعالى فيه حكما عظيمة ، وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد ، كرره سبحانه وتعالى على طريق الاستئناف لجواب من يقول : وهل بعده من عسر؟ مؤكدا له ترغيبا في أمره ترقبا لما يتسبب عنه مبشرا بتكريره مع وحدة العسر وإن كان حمل كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكنا فقال : (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) أي المذكور فإنه معرفة ، والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى سواء أريد العهد أو الجنس (يُسْراً) أي آخر لدفع المضار والمكاره ، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة احتمل أن تكون غير الأولى ، وقد قال النبي صلىاللهعليهوسلم (١) : «إنها غيرها» فقال الحسن البصري : إن الآية لما نزلت قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين» (٢) وقد روى هذا من أوجه كثيرة ، وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه» وللطبراني عنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه» (٣) ثم قرأ رسول الله صلىاللهعليهوسلم الآية ، قال الحافظ نور الدين الهيثمي : وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف ، ورواه الطبراني أيضا في الأوسط والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه ، قال الهيثمي : وفيه عائذ بن شريح وهو ضعيف (٤) ، وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول : «لن يغلب عسر يسرين» (٥) وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا ، ومن طريقه أخرجه الحاكم والبيهقي
__________________
(١) هذا يفهم من الحديث الآتي. لا أنه صلىاللهعليهوسلم ذكر ذلك صريحا.
(٢) أخرجه الحاكم ٢ / ٥٢٨ عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه وصححه وقال الذهبي : مرسل قال الحاكم وقد صحت الرواية عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما ـ يعني من قولهما.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٩٩٧٧ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال الهيثمي في المجمع : أبو مالك ضعيف ٧ / ٢٩٣ وفيه أبو حمزة كذلك ضعيف.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ١٥٤٨ والبزار ٢٢٨٨ عن أنس رضي الله تعالى عنه وضعّفه الهيثمي كما ذكر المصنف. انظر المجمع ٧ / ٢٩٣ وله شواهد واهية انظر الكشاف.
(٥) الكلبي هو محمد بن السائب قال الحافظ في التقريب : «متهم بالكذب» وقد تقدم مرسل الحسن آنفا.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
