الاحتياج إلى إعمال فكر ، رقي إلى الباطن الأعلى المقصود بالذات وهو المبدع لذلك كله معبرا عنه بأداة ما لا يعقل ، مع الدلالة بنفس الإقسام ، على أن له العلم التام ، والإحاطة الكبرى بالحكمة البالغة ، تنبيها على أنهم وصفوه بالإشراك وإنكار الحشر بتلك المنزلة السفلى والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما له من صفات الكمال التي ليس لغيره ما يداني شيئا منها ، زجرا لهم بالإشارة والإيماء عن ذلك ومشيرا إلى شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال : (وَما بَناها) أي هذا البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما وراءه مما يعجز الوصف.
ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال : (وَالْأَرْضِ) أي التي هي فراشكم بمنزلة محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة (وَما طَحاها) أي بسطها على وجه هي فيه محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك ، وهي مع كونها ممسكة بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها ، وهي موضع البعد والهلاك ومحل الجمع ـ كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي الإنسان من أمثال هذا ، قال أهل البصائر :
وليس في العالم الآفاقي شيء إلا وفي العالم النفساني نظيره ، وانشدوا في ذلك :
|
دواؤك فيك وما تشعر |
|
وداؤك منك وتستنكر |
|
وتحسب أنك جزء صغير |
|
وفيك انطوى العالم الأكبر |
فالسماوات سبع كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية كالذاكرة والحافظة والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو لمقاسم البصر في العين ، ونظير الشمس الروح في إشراقه وحسنه ، ونظير الليل الطبع فإن ما به من نور فإنما هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره إلا من الشمس بواسطة إفادتها للقمر المنير له والكواكب ، ونظير النهار ـ الذي هو نير في أصله ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه ـ القلب وسحبه الشكوك والأوهام النفسية ، ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس النفس ، فإذا أكسبها القلب المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن ، وإذا أظلمت أظلم كله ، والأعضاء الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود بواسطة الروح والنفس ، والأمطار كالدمع ، والحر كالحزن ، والبرد كالسرور ، والرعد كالنطق ، والبرق كالملح ، والرياح كالنفس ـ إلى غير ذلك من البدائع لمن تأمل ، والعالم السفلي سبع طباق أيضا ، قال الملوي : «ونظيرها طبقة الجلد» وهي ثلاث ، وطبقة اللحم وطبقة الشحم وطبقة العروق وطبقة العصب ، والجبال كالعظام والمعادن منها المياه وفيها العذب كالريق والملح كالدمع والمر كما في الأذن والمنتن منه كما في الأنف ، ومنه ما هو جار كالبول ، ومنه ما هو كالعيون وهو الدم ، والسيل كالعرق ،
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
