وأعظمهم صوابا ، مع المنافع التي تفضل عن سكانها ، والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها ، وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل وتدمغ المعاند ببرهانها ، فإنه لا يسع أحدا المنازعة في خلقه لها ، ومن خلقها قدر على تدبيرها على الوجه المذكور ، ومن كان كذلك كان منزها عن الشريك قطعا ، ومن كان كذلك قدر على كل شيء فلذا قال : (أَنَّ اللهَ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي من غير هذا العالم ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم ، وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم ، فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير (ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ) [الملك : ٣] وإياك أن تلتفت إلى من قال : إنه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ، فإنه مذهب فلسفي خبيث ، والآية نص في إبطاله وإن نسبه بعض الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي «تهديم الأركان على من قال ليس في الإمكان أبدع مما كان» وكتابي «دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان» وكتابي «إطباق الأغلال في أعناق الضلال» ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه فصوصه وغير ذلك من كتبه واستند فيه في بعضها إلى الغزالي إتقانا لمكره ـ أعاذنا الله من شره ، والغزالي بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره (قَدِيرٌ) أي بالغ القدرة.
ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء والصفات قال : (وَأَنَّ اللهَ) أي الذي له جميع صفات الكمال (قَدْ أَحاطَ) لتمام قدرته (بِكُلِّ شَيْءٍ) مطلقا ، ولما أسند الإحاطة إليه سبحانه تعظيما لها ، بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال : (عِلْماً) فله الخبرة التامة بما يأمر به من الأحكام في العلم بمصالحه ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى ، ودبروا في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله يعلم بذات الصدور.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
