وجنوده وكل من ذكر هنا من الكفرة من عاد وثمود وأتباعهم (طَغَوْا) أي تجاوزوا الحدود (فِي الْبِلادِ) أي التي ملكوها بالفعل وغيرها بالقوة (فَأَكْثَرُوا) عقب طغيانهم وبسببه (فِيهَا الْفَسادَ) بما فعلوا من الكفر والظلم مما صار سنة لمن سمع به.
ولما كان ذلك موجبا للعذاب ، سبب عنه قوله : (فَصَبَ) أي أنزل إنزالا هو في غاية القوة (عَلَيْهِمْ) أي في الدنيا (رَبُّكَ) أي المحسن إليك المدبر لأمرك الذي جعل ما مضى من أخبار الأمم وآثار الفرق موطئا لهم (سَوْطَ عَذابٍ) أي جعل عذابهم من الإغراق والرجف وغيرهما في قوته وتمكنه وعلوه وإحاطته كالمصبوب في شدة ضربه ولصوقه بالمضروب وإسراعه إليه والتفافه به كالسوط وفي كونه منوّعا إلى أنواع متشابكة ، وأصله الخلط ، وإنما سمي هذا الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض ، ولأنه يخلط اللحم والدم ، وقيل : شبه بالسوط ما أحل بهم في الدنيا إشعارا بالترديد والتكرير إلى أن يهلك المعذب به وإيذانا بأنه بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى السيف ، هذا سوط الدنيا وسيف الآخرة أشد وأحد وأمضى ، ثم علل أخذه لكل ظالم وانتقامه من كل مفسد بأنه رقيب ، فقال ممثلا أن العصاة لا يفوتونه مؤكدا تنبيها على أن أعمال العباد أعمال من ينكر ذلك أو لا يخطر بباله : (إِنَّ رَبَّكَ) أي مولاك المدبر لأمر نبوتك (لَبِالْمِرْصادِ) أي لا يفوته شيء ، بل هو قادر ومطلع على كل شيء اطلاع من يريده بالإقامة في مكان الرصد وزمانه مع غاية الحفظ والرعي وهو قادر على ما يريد.
ولما ذكر سبحانه أن عادة هؤلاء الفرق كانت الطغيان ، وذكر أن عادة الرب سبحانه فيمن تولى وكفر أنه يعذبه كما هدد به آخر تلك ، ودل على ذلك بما شوهد في الأمم ، وعلل ذلك بأنه لا يغفل ، ذكر عادة الإنسان من حيث هو من غير تقييد بهؤلاء الفرق عند الابتلاء في حالي السراء والضراء ، فقال مشيرا إلى جواب ما كانت الكفار تقوله من أنهم آثر عند الله من المسلمين لا يساعد عليهم في الدنيا وتقلل الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا مسببا عما مضى عطفا على ما تقديره : هذه كانت عادة هؤلاء الأمم وعادة الله فيهم : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ) أي الذي أودع الحجر ليعقل هذه الأقسام وما يراد منه من اعتقاد المقسم عليه بها وجبل على النسيان والأنس بنفسه والمحبة لها والرضى عنها.
ولما كان المقصود التعريف بحاله عند الابتداء ، قدم الظرف الدال على ذلك على الخبر فقال : (إِذا) وأكد الأمر بالنافي فقال (مَا ابْتَلاهُ) أي عامله معاملة المختبر بأن خالطه بما أراد مخالطة تميله وتحيله (رَبُّهُ) أي الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره (فَأَكْرَمَهُ) أي بأن جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
